ولكن إبراهيم في عمق إيمانه، واستسلام وجدانه، لا يريد أن يجزم بشيء إلا مرتكنًا إلى مشيئة الله الطليقة، وإلى علم الله الشامل:
«إلا أن يشاء ربي شيئًا. وسع ربي كل شيء علمًا» .
فهو يكل إلى مشيئة الله حمايته ورعايته؛ ويعلن أنه لا يخاف من آلهتهم شيئًا، لأنه يركن إلى حماية الله ورعايته. ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما شاء الله، ووسعه علمه الذي يسع كل شيء.
«وكيف أخاف ما أشركتم، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا؟ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟» .
إنه منطق المؤمن الواثق المدرك لحقائق هذا الوجود. إنه إن كان أحد قمينًا بالخوف فليس هو إبراهيم، وليس هو المؤمن الذي يضع يده في يد الله ويمضي في الطريق. وكيف يخاف آلهة عاجزة - كائنة ما كانت هذه الآلهة، والتي تتبدى أحيانًا في صورة جبارين في الأرض بطاشين؛ وهم أمام قدر الله مهزولون مضعوفون!- كيف يخاف إبراهيم هذه الآلهة الزائفة العاجزة، ولا يخافون هم أنهم أشركوا بالله ما لم يجعل له سلطانًا ولا قوة من الأشياء والأحياء؟ وأي الفريقين أحق بالأمن؟ الذي يؤمن به ويكفر بالشركاء؟ أم الذي يشرك بالله مالا سلطان له ولا قوة؟ أي الفريقين أحق بالأمن، لو كان لهم شيء من العلم والفهم؟!
هنا يتنزل الجواب من الملأ الأعلى ؛ ويقضي الله بحكمه في هذه القضية:
"الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ"
الذين آمنوا وأخلصوا أنفسهم لله، لا يخلطون بهذا الإيمان شركًا في عبادة ولا طاعة ولا اتجاه. هؤلاء لهم الأمن، وهؤلاء هم المهتدون..) (12) أ.هـ.
وبعد هذا الاستعراض لأقوال بعض المفسرين في تفسيرهم لهذه الآيات من سورة الأنعام يمكننا الوصول إلى الفوائد التالية:
الفائدة الأولى: