الصفحة 23 من 249

فلما أشكل عليهم المراد بالظلم، وظنوا أن ظلم النفس داخل فيه، وأن من ظلم نفسه أي ظلم كان لا يكون آمنًا، أجابهم - صلوات الله وسلامه عليه- بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق، هو الشرك. وهذا والله الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل، فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها، والأمن والهدى المطلق: هو الأمن في الدنيا والآخرة والهدى إلى الصراط المستقيم؛ فالظلم المطلق التام مانع من الأمن والهدى المطلق. ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعًا من مطلق الأمن ومطلق الهدى، فتأمله. فالمطلق للمطلق والحصة للحصة) (11) .

ويقول صاحب الظلال- رحمه الله تعالى- عند هذه الآية:

(إن الفطرة حين تنحرف تضل؛ ثم تتمادى في ضلالها، وتتسع الزاوية ويبعد الخط عن نقطة الابتداء، حتى ليصعب عليها أن تثوب.. وهؤلاء قوم إبراهيم - عليه السلام- يعبدون أصنامًا وكواكب ونجومًا. فلا يتفكرون ولا يتدبرون هذه الرحلة الهائلة التي تمت في نفس إبراهيم. ولم يكن هذا داعيًا لهم لمجرد التفكير والتدبر. بل جاءوا يجادلونه ويحاجونه. وهم على هذا الوهن الظاهر في تصوراتهم وفي ضلال مبين.

ولكن إبراهيم المؤمن الذي وجد الله في قلبه وعقله وفي الوجود كله من حوله، يواجههم مستنكرًا في طمأنينة ويقين «قال: أتحاجوني في الله وقد هدانِ؟» ..

أتجادلونني في الله وقد وجدته يأخذ بيدي، ويفتح بصيرتي، ويهديني إليه، ويعرفني به، لقد أخذ بيدي وقادني فهو موجود- وهذا هو في نفسي دليل الوجود- لقد رأيته في ضميري وفي وعيي، كما رأيته في الكون من حولي. فما جدالكم في أمر أنا أجده في نفسي ولا أطلب عليه الدليل. فهدايته لي إليه هي الدليل؟!.

«ولا أخاف ما تشركون به» ..

وكيف يخاف من وجد الله؟ وماذا يخاف ومن ذا يخاف؟ وكل قوة- غير قوة الله- هزيلة وكل سلطان- غير سلطان الله- لا يُخاف؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت