فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 58

سافر كل مكان، تجاوز الحدود الجغرافية لبلاد المسلمين بأجمعها،رأى الآخرين وخالطهم، عاشرهم وتعلم لغتهم، كنت دائمًا أرقبه وهو يهيم في أودية الشتات، عاش عاقًا لوالديه هاربًا من حنانهما، عاثت الأحزان في نفسه حتى فقد كل أصدقائه وخلانه، فقد مستقبله، وأخيرًا عاد يسامر البطالين، يسهر معهم ليله المظلم دون هدف أو غاية، استمرت الحالة المأسوية التي يعيشها دون أن يجد حلا عاجلًا لهذه المأساة.

في ليلة هادئة، نام كل الناس، تلفت فلم ير أحدًا يرقبه، تسللت يده إلي سكين بجوار سريره الذي ينام عليه فوجد فأومأ بها على قلبه يبحث عن النهاية، لكنها العناية الربانية تتحجر تلك السكين في يد التائه وإذا به يسمع صوتًا خافتًا، صوت يهز الوجدان ويبعث في النفس الأمل، صوت تال بآي القرآن، صوت ينفذ الآذان بعبير الأصوات المتداخلة، صوت يردد قوله تعالي: { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ } [الزخرف: 67] . أنصت بشوق فإذا بالعتاب الحار على الرفقة السيئة لكنه تجاوزها، بدأ يتحدث عن الجنة وحال المتقين فيها.. يتجاوز ذلك كله فيتحدث عن النار وحال المجرمين فيها..، سكت صوت التالي فكأنما ختم هذه السورة الجميلة، سكت.

يقول: كنت أنتظر حديثًا أطول من ذلك بكثير، بردت قوة يدي، سقطت السكين على الأرض، تهاوى جسدي على الفراش .. نمت ولأول وهلة من زمن طويل فإذا بصوت آخر يبعث الوجدان من جديد قمت فلكأنما أعيش أحلامًا جميلة، صوت مؤذن القرية يتلألأ في الأرجاء، يخترق كل البيوتات المجاورة وهذه الوهلة بالذات يخترق حتى أذني بصوت ما سمعت أجمل منه، عشت نشاطًا ملموسًا في جسدي فقمت مسرعًا إلي المسجد، وهناك صليت مع جموع المسلمين صلاة كان لها أعظم الأثر في نفسي، أحسست من نفسي أنها بدأت تنشرح ويزول ذلك الانقباض، بدأت الحياة تدب في روحي، الحياة الروحية الجديدة، لا الجسدية البهيمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت