بدأت أشعر بكرامتي بين الناس، أجد من اللذة الشيء العجيب، تكاد الفرحة أن تطير بي، انطلقت في درب الحياة الطويل غير مبال بالعراقيل، ولأن الابتلاء سنة في الحياة فقدني أصحابي، بدأوا يترددون عليَّ، يبلغني عتابهم مرة بحديث ودي، ومرات يشوهون طريقي، يخوفونني من القادم، ويذكرونني بالماضي المشين.
وفي زخم هذا التهويل هممت أن أعود إلي الحياة البائسة، لكنه في الوقت ذاته قرع في أذني صورة الأخلاء التي نفذت أذني من صوت ذلك القارئ فعدت هاربًا من هذه الصورة مذكرًا حالي بصورة المجرمين والسائق لهم إلى النار، وعدت لطريق دربي الطويل واستمررت بحمد الله ومضت الأيام فتعوضت بهذه الصحبة صحبة إخوة ناصحين فما أجمل هذه الصحبة وما ألذها في الحياة!
واليوم بعد هذا الزمن من عمر الاستقامة في حياتي أجدني أعيش لذة السعادة التي حرمها الآخرون فتذكرت صحب الطريق البائس، فأشفقت عليهم وتمنيت أن أوصل لهم ما أجد في نفسي من لذة فأقول:
أيها الصحب الكرام:
وايم الله، لقد عشت تجارب الحياة كلها، فسافرت باسم الترويح، وسافرت باسم المعرفة والثقافة، وسافرت باسم التجربة، وتعددت الأسماء فكونت غلافًا للحقيقة المرة، السفر باسم الشهوة، وكم هي المرات التي عدت من ذلك الترحال بأخسر بضاعة، عدت ولكم هنأني الأصدقاء بسلامة الأسفار ولم يدرك المساكين أن السلامة التي يهنئون بها جسدية ظاهرية وأن القلب أحق بالعزاء من التهنئة فقد عاثت فيه المعصية حتى عاد من سفره خربًا ميتًا ويا ليتهم واسوني بكلمة عزاء.
وأنا اليوم أحق بالتهنئة من ذلك اليوم وللمهنئين اليوم دين في عنقي أن أحفظ لهم حق التهنئة ولا أنساه.