تعيش تربيتك حولين كاملين فمرة لا تسعها الأيام فرحًا بقدومك وأخرى تبيت ليلها باكية لألمك تشكو حالك على كل قريب، إن طعمت وشربت عاشت كل أيامها سعيدة بعافيتك، وإن أبيت وبكيت نسيت شهوة الطعام رغم جوعها ولو قدم لها أجمل ما في الدنيا لما استطاعت أن تمد يديها إليه وأنت شاك مريض، عاشت هذه الحياة المتقلبة لأجلك ليس في عامين فقط، لكن أعوام وأعوام بل وأنت في عالم الرجال لا تحتاج لأحد تجدها تقدمك على نفسها وقد تبيت طاوية من أجلك، وقد ترحل عنها ولو تأخرت تجدها على الأبواب ساهرة منتظرة أبت عيناها أن تغمض وأنت غائب عن بيتها الميمون.
أفيكون جزاء كل ما ذكرت من التربية هذا العقوق الذي حدثتنا به بنفسها وساق لنا الجيران أضعاف حديثها؟! أفيكون هذا جزاء الأمومة؟! عجبًا لهذه الأنفس التي لا تثمن المعروف.
يا أهل العقوق:
لقد ضرب سلفكم الصالح أروع الأمثلة في بر الوالدين أسوق إليكم مقتطفات من تلك الحياة علها بإذن الله تلفت نظركم إلي مقدار الأنفس التي أوفت بالمعروف وكافأت بعضًا من تلك التربية.
فهذا ابن مسعود رضي الله عنه احتاجت أمه ماء في بعض الليالي فجاءها بالماء فوجدها عادت لنومها، فثبت قائمًا حتى بلج الفجر، وأعطاها.
وهذا ظبيان بن علي الثوري كان بارًا بأمة إذا سافر بها إلي مكة واشتد القيض عليها فحفر لها في الأرض وصب لها من تلك الحفرة ماء وقال لها تبردي يا أماه.
وهذه حفصة تترحم على وليدها الذي مات هذيلًا وتقول: لقد كان يعمد إلي القصب فيقشره ويجففه في الصيف لئلا يكون له دخان فإذا جاء الشتاء قعد خلفي وأنا أصلي فيوقد وقودًا ينالني حره ولا يؤذيني دخانه، يبيت يفعل ذلك حتى يخرج الصباح المبارك.
وهذا محمد بن المنكدر رحمه الله يقول: بات عمر - يعني أخاه - يصلي وبت أغمز رجل أمي وما أحب أن ليلتي بليلته.
وهذا حجر بني الأدبر يلمس فراش أمه فيتهم غلظ يده فيتقلب عليه على ظهره فإذا أمن أن يكون عليه شيء أضجعها.