وقال ابن حزم: (( فلما كثر المسلمون واشتد العذاب والبلاء عليهم أذن الله تعالى لهم في الهجرة إلى أرض الحبشة ) ) (1) .
ويؤكد شعر المهاجرين الذين استقروا في الحبشة مبلغ الأذى والفتنة التي لحقت بالمؤمنين في مكة، وعبّر عنها شعراء المهاجرين، فهذا عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي قال - حين أمنوا بأرض الحبشة -.
يا راكبًا بلغن عني مغلغلة ... من كان يرجوا بلاغ الله والدين
كل امرئ من عباد الله مضطهد ... ببطن مكة مقهور ومفتون
إنا وجدنا بلاد الله واسعة ... تُنجي من الذل والمخزاة والهون
… في أبيات ابن إسحاق في السيرة (2) .
وقال عثمان بن مظعون يعاتب أمية بن خلف - ابن عمه - وكان يؤذيه في إسلامه-:
أتيم بن عمرو للذي جاء بغضه ... ومن دونه الشرمان والبرك أكتع
أأخرجتني من بطن مكة آمنًا ... وأسكنتني في صرح بيضاء تقذع
… في أبيات ذكرها ابن إسحاق كذلك في السيرة (3) .
3ـ الفرار بالدين.
لم يكن الأذى الجسدي الواقع على المسلمين بمكة هو السبب الأول والأخير في هجرة المؤمنين للحبشة، بل كان الفرار بالدين خشية الافتتان فيه سببًا مهمًا من أسباب هجرتهم للحبشة، وكيف لا يكون ذلك كذلك والإيمان أغلى ما يملكه الإنسان في هذه الحياة، وأولئك المهاجرون يعرفون قدر الإسلام والإيمان، فهم لتوهم خرجوا من حمأة الجاهلية وظلمات الكفر ويُقدّر الإسلام حق قدره من عاش فترة من الجاهلية فيفر به حتى ولو كان على حساب الأهل والعشيرة والمال والوطن؛ ولهذا السبب تتضافر النصوص وتكثر النماذج، وهذا طرف منها.
(1) السيرة ص 55.
(2) السيرة: لابن هشام 1/408-410، وقد ذكرها ابن إسحاق دون إسناد، ولذا ضعفها أحد الباحثين (د. سليمان سعود: أحاديث الهجرة، ص 59-60) .
(3) ابن هشام 1/410-411.