فإن قلت: فلم أسند الختم إلى الله تعالى وإسناده إليه يدل على المنع من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه وهو قبيح ، والله يتعالى عن فعل القبيح علوا كبيرا لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه وقد نص علىتنزيه ذاته بقوله:"وما أنا بظلام للعبيد" (1) ،"وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين" (2) ،"إن الله لا يأمر بالفحشاء" (3) ، ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل ؟ قلت القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها ، وأما إسناد الختم إلى الله عز وجل فلينبه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضي . ألا ترى إلى قولهم: فلان مجبول على كذا ومفطور عليه ، يريدون أنه بليغ في الثبات عليه . وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم سماجة حالهم ن ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم ؟ ويجوز أن تضرب الجملة كما هي ، وهي ختم الله على قلوبهم مثلا كقولهم: سال به الوادي ، إذا هلك . وطارت به العنقاء إذا أطال الغيبة . وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته ، وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به
(1) . سورة ق: 29
(2) . سورة الزخرف: 76
(3) . سورة الأعراف: 27