( اعلم أن متن كل علم وعمود كل صناعة طبقات العلماء فيه متدانية ، وأقدام الصناع فيه متقاربة أو متساوية ، إن سبق العالم العالم لم يسبقه إلا بخطى يسيرة ، أو تقدم الصانع الصانع لم يتقدمه إلا بمسافة قصيرة ، وإنما الذي تباينت فيه الرتب ، وتحاكت فيه الركب ، ووقع فيه الاستباق والتناضل ، وعظم فيه التفاوت والتفاضل ، حتى انتهى الأمر إلى أمد من الوهم متباعد ، وترقى إلى أن عد ألف بواحد ، ما في العلوم والصناعات من محاسن النكت والفقر ، ومن لطائف معان يدق فيها مباحث الفكر ، ومن غوامض أسرار محتجبة وراء أستار ، لا يكشف عنها من الخاصة إلا أوحدهم وأخصهم ، وإلا واسطتهم وفصهم ، وعامتهم عماة عن إدراك حقائقها بأحداقهم ، عناة في يد التقليد ، لا يمن عليهم بجز نواصيهم وإطلاقهم . ) (1)
وهكذا نجد أبا حيان وقف عند مقاطع كثيرة من الآيات ، وراح يحصى الصور البلاغية فيها ، بينما نجد الزمخشري يمر عليها ولا يذكر شيئا من ذلك ، فلا يظن به أنه فاتته ، وإنما اشتغل بما هو أدق منها .
ففي تفسير قوله تعالى:"فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة .. فتيلا"سورة النساء: 73 ـ78
(1) . مقدمة تفسير الكشاف .