وفي أسلوب الالتفات يقول الزمخشري: هو فن من الكلام جزل ، فيه هز وتحريك للسامع ، كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث لكما: إن فلانا من قصته كيت وكيت ، فقصصت عليه ما فرط منه ، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث فقلت: يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك ، وتستوي على جادة السداد في مصادرك ومواردك ، نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبيه ، واستدعيت إصغاءه غلى إرشادك زيادة استدعاء ، وأوجدته بالانتقال من الغيبة غلى المواجهة هازا من طبعه ما لا يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة ، وهكذا الافتنان في الحديث ، والخروج فيه من صنف إلى صنف ، يستفتح الآذان للاستماع ، ويستهش الأنفس للقبول . ) (1)
وننتهي من هذا المبحث إلى القول بأن الزمخشري قد كان آخر لبنة في هذا البناء الشامخ لهذه النظرية الرائدة في تعليل الإعجاز القرءاني مما هيأ له تلك المكانة الفريدة التي نالها بتفسيره الكشاف ، فكان كل من جاء بعده وتكلم في الإعجاز البلاغي للقرءان الكريم مدينا للزمخشري وتفسيره الكشاف ، وهذا ما برز في تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ، وهو ما سنعرض له في المبحث الرابع .
المبحث الرابع
(1) . الكشاف: 1/88.89