وإن أكثر ما كتب الأولون في البلاغة والفصاحة كان في ظل القرآن ، ومحاولة لبيان إعجازه ، وإن أول ما كتب في إعجاز القرآن من ناحية البيان كان في الوقت الذي جاء فيه القول بالصرفة بين نفي وإثبات ، وأول من عرف أنه تصدى للكلام في الإعجاز في نظم القرآن هو الجاحظ تلميذ النظام الذي أنكر عليه قوله ، وعابه في منهاجه الفكري .) (1)
ولقد كان الزمخشري بموقفه هذا ضد القول بالصرفة في إعجاز القرآن ، أكثر ذكاء وولاء لمذهبه الإعتزالي من شيخ المعتزلة إبراهيم بن سيار النظام ، ومن ذهب مذهبه في القول بالصرفة ، لأن المعتزلة هم أهل اللغة والأدب ، فهم أولى من غيرهم تذوقا لأسلوب القرآن ومواضع الجمال فيه ، ومن هنا كان الأجدر بهم أن يكونوا أولى الناس إدراكا لمظاهر الإعجاز في النظم القرءاني ، و نفي القول بالصرفة ، لولا تأثرهم بتلك الثقافات الوافدة يومئذ ، فتنبه الزمخشري لهذا المزلق الذي أخفق فيه بعض أسلافه ، فخالفهم ، ووظف القول بإعجاز القرآن أحسن توظيف في خدمة مذهبه .
(1) . المصدر نفسه: 82