وعلى الرغم من كون الزمخشري قد تلقف هذه النظرية في مرحلة النضج والاكتمال ، ومهما كان قد ألم بها واستوعبها وشغف بها ، فأن ميله إلى الإيجاز والاختصار الشديد في كتابه الكشاف ، قد فوت علينا الوقوف على الكثير من فنون الإعجاز في النظم القرآني ، التي كان بإمكانه أن يكشف عنها بما لم يسبق إليه ، وقد بدا لي هذا الرأي بعد أن اطلعت على رسالة صغيرة كتبها الزمخشري في"إعجاز سورة الكوثر"، وهي عبارة عن رد على رسالة وجهها إليه أحد تلاميذه (1) ، يلح عليه من خلالها أن يكتب شيئا في وجوه إعجاز القرآن ، ليلجم به أفواه بعض المشككين في بلاغة القرآن والمنكرين لإعجازه .
وفي كلامه عن إعجاز القرآن الكريم من حيث نظمه من خلال هذه السورة ، أبرز الزمخشري أن إعجاز القرآن كامن وراء كل حرف من حروف القرآن ، ولكنه لا يتجلى إلا لذوي الأفهام الكبيرة التي تمرست على لغة العرب بكل فنونها .
كما أبان في هذه الرسالة الطريفة عن موقفه من بعض القضايا الأساسية المتعلقة بإعجاز القرآن الكريم بشيء من التفصيل لا نجد له نظيرا في تفسيره الكشاف ، ومنها:
(1) . انظر الزمخشري: إعجاز سورة الكوثر: 61