قال شيخ الإسلام: «إن الله تعالى قد هدى الناس هداية عامة بما جعل فيهم بالفطرة من المعرفة وأسباب العلم، وبما أنزل إليهم من الكتب، وأرسل إليهم من الرسل، قال تعالى: +اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" [العلق: 1 ـ 5] ، وقال تعالى: +الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْانَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ" [الرحمن: 1 ـ 4] ، وقال تعالى: +سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى" [الأعلى: 1 ـ 3] ، وقال تعالى: +وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ" [البلد: 10] .
ففي كل أحد ما يقتضي معرفته بالحق ومحبته له، وقد هداه ربه إلى أنواع من العلم يمكنه أن يتوصل بها إلى سعادة الأولى والآخرة، وجعل في فطرته محبة لذلك، لكن قد يُعرِض الإنسان ـ بجاهليته وغفلته ـ عن طلب علم ما ينفعه.
وكونه لا يطلب ذلك ولا يريده أَمْرٌ عدمي لا يضاف إلى الله تعالى، فلا يضاف إلى الله لا عدم علمه بالحق ولا عدم إرادته للخير.
لكن النفس… الإرادة والحركة من لوازمها، فإنها حية حياة طبيعية، لكن سعادتها ونجاتها إنما تتحقق بأن تحيى الحياة النافعة الكاملة، وكان ما لها من الحياة الطبيعية موجبًا لعذابها، فلا هي حية متنعمة بالحياة، ولا هي ميتة مستريحة من العذاب، قال تعالى: +فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا" [ الأعلى: 9 - 13] ."
فالجزاء من جنس العمل؛ لما كان في الدنيا ليس بحيٍّ الحياة النافعة التي خُلِقَ لأجلها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتًا عديم الإحساس: كان في الآخرة كذلك.