فهو على صراط مستقيم، ونصب لعباده من أمره صراطًا مستقيمًا دعاهم جميعًا إليه حجة منه وعدلًا، وهدى من شاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلًا، ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل عن صراطه المستقيم الذي هو عليه، فإذا كان يوم لقائه نصب لخلقه صراطًا مستقيمًا يوصلهم إلى جنته، ثم صرف عنه من صرف عنه في الدنيا، وأقام عليه مَنْ أقامه عليه في الدنيا، وجعل نور المؤمنين به ورسوله وما جاء به الذي كان في قلوبهم في الدنيا نورًا ظاهرًا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الحشر، وحَفِظَ عليهم نورهم حتى قطعوه، كما حَفِظ عليهم الإيمان به حتى لقوه، وأطفأ نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه، كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا، وأقام أعمالَ العصاة بجنبتي الصراط كلاليب وحَسَكًا (1) تخطفهم كما خطفتهم في الدنيا عن الاستقامة عليه، وجعل قوة سيرهم وسرعتهم عليه على قدر قوة سيرهم وسرعتهم إليه في الدنيا، ونصب للمؤمنين حوضًا يشربون منه بإزاء شربهم من شرعه في الدنيا، وحرم من الشرب منه هناك من حرم من الشرب من شرعه ودينه هاهنا.
فانظر إلى الآخرة كأنها رأي عين، وتأمل حكمة الله سبحانه في الدارين، تعلم حينئذ علمًا يقينًا لا شك فيه: أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وأنموذجها، وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضِدهما، وبالله التوفيق».
«الجواب الكافي» (ص144 ـ 145) .
(1) كما جاء في حديث الصراط الطويل الذي في «الصحيحين» وغيرهما، وفيه: قلنا يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عليه خطاطِيفُ وكلاليبُ وحَسَكةٌ= =مُفَلْطَحَةٌ، لها شوكة عُقَيْفاءُ، تكون بنجد يقال لها: السَّعدانُ، المؤمن يمر عليها كالطرْف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والرِّكاب، فناجٍ مُسَلَّمٌ، وناجٍ مخدوشٌ ومكدوسٌ في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يُسحب سحبًا» .