قال الحافظ ابن جرير بعد ذكر عدة أقوال في سبب نزول هذه الآية ما لفظه:"وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك من قال نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة ، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على أحد قولين: أحدهما أنهم كانوا قوما من أهل مكة - على ما قد ذكرنا الرواية عنهم ، والآخر أنهم قوم كانوا من أهل المدينة ... وفي قول الله تعالى ذكره فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة ، لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر ، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه" (1) (2) .
** الدراسة **
يبدو من كلام المباركفوري أن هناك تعارضًا تامًا في سبب النزول ، فابن حجر يصحح كون الآية نزلت في المتخلفين عن غزوة أحد ، ويشهد له حديث الباب ، والطبري يؤيد كونها نزلت في قوم من مكة وتشهد له الآية التالية .
وقول الإمام الطبري جدير بالنظر لأن ظاهر الآية التالية يشهد له ، مع ما أخرجه الإمام أحمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه ، وكذا ابن أبي حاتم ولكن يَرِدُ عليه سؤالان: الأول هل هناك ما يدل - من طريق صحيح - على أن الآيتين نزلتا معًا في وقت واحد حتى يقال أنهما تتحدثان عن قوم بعينهم ؟
والثاني: إن الآية التي معنا وصفت هؤلاء الناس بالنفاق - وهو لا يقال إلا على من أظهر الإسلام وأبطن الكفر - وهو لم يظهر إلا في المدينة ، في حين أن الآية الأخرى وصفت من تتحدث عنهم بالكفر ... فلم حكمت بالثانية على الأولى ولم تحكم بالأولى على الثانية ؟ ! .
(1) ... تفسير الطبري 4 / 196 .
(2) ... تحفة الأحوذي 7 / 454 .