8 -كما أن معرفة السبب تعين على تيسير الحفظ وتسهيل الفهم وتثبيت الوحي فإن ربط الأحكام بالحوادث والشخصيات والأزمنة والأمكنة يقرر المعلومات ويركزها ويساعد على سهولة استذكارها .
9 -وثمة فائدة أخرى عظيمة لأسباب النزول وهي أن في نزول القرآن عند حدوث حوادث دلالة على إعجازه من ناحية الارتجال (1) وهي إحدى طريقتين لبلغاء العرب في أقوالهم ، فنزوله على حوادث يقطع دعوى أنه أساطير الأولين (2) .
ما يعتمد عليه في معرفة السببية:
تختلف عبارات الناس في التعبير عن سبب النزول ... فتارة يصرح فيها بلفظ السبب فيقال سبب نزول الآية كذا ، وهذه العبارة نص في السببية لا تحتمل غيرها ، وتارة لا يصرح فيها بلفظ السبب ولكن يؤتى بفاء داخلة على مادة النزول عقب سرد الحادثة ، وهذه العبارة مثل سابقتها في الدلالة على السببية أيضًا ، ومرة يسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيوحى إليه ويجيب بما نزل عليه ولا يكون تعبير بلفظ سبب النزول ولا تعبير بتلك الفاء ولكن السببية تفهم قطعًا من المقام وحكم هذه أيضًا حكم ما هو نص في السببية .
ومرة أخرى لا يصرح بلفظ السبب ولا يؤتى بتلك الفاء ولا بذلك الجواب المبني على السؤال بل يقال: نزلت هذه الآية في كذا ( مثلا ) ... ، وهذه العبارة ليست نصا في السببية بل تحتملها وتحتمل أمرًا آخر وهو بيان ما تضمنته الآية من الأحكام . والقرائن وحدها هي التي تعين أحد هذين الاحتمالين أو ترجحه .
ومن هنا نعلم أنه إذا وردت عبارتان في موضع واحد إحداهما نص في السببية لنزول آية أو آيات ، والثانية ليست كذلك ... هنالك نأخذ بما هو نص في السببية ونحمل الأخرى على أنها بيان لمدلول الآية ، لأن النص أقوى في الدلالة من المحتمل .
(1) ... أصل الارتجال أن يمشي الرجل على رجليه . اللسان ( رجل ) ، ثم استعملت في إلقاء الكلام الخاطر على الذهن دون إعداد .
(2) ... مباحث في علوم القرآن للقطان .