والاستقامة على قوله { رَبُّنَا اللَّهُ ... } الاستقامة عليها بحقها وحقيقتها , والاستقامة عليها شعورًا في الضمير وسلوكًا في الحياة , الاستقامة عليها والصبر على تكاليفها أمر - ولا شك - كبير وعسير ، ومن ثم يستحق هذا الإنعام الكبير صحبة الملائكة وولاءهم ومودتهم هذه التي تبدو فيما حكاه الله عنهم وهم يقولون لأوليائهم المؤمنين { أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } (1) .
والاستقامة المرتب عليها كل هذا الجزاء أعم من أن تكون معرفة مجردة عن العمل ، أو نظرية بعيدة عن التطبيق ... , ولذا كانت أقوال المفسرين فيها تصب كلها في معنى واحد هو العمل بالطاعات قدر الاستطاعة , واجتناب المعاصي قدر الاستطاعة ..
وعلى هذا المعنى يحمل ما ذكره الإمام الماوردي من أقوال في معنى الاستقامة (2) إذ الخلاف بينها لا يعدو كونه خلافًا لفظيًا , ومما يشهد لعموم معنى الاستقامة ما يلي:
أولًا: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - - وهو ممن قال بأن معنى الاستقامة استقاموا على أن الله ربهم وحده (3) - هو الذي قاتل مانعي الزكاة رغم أنهم كانوا يقولون لا إله إلا الله .
ثانيًا: أن الآية وصفت المتحدَّث عنهم بأنهم { قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ } أي: دخلوا في الإسلام قولًا ، ثم وصفتهم بأنهم { اسْتَقَامُوا } أي: التزموا بالإسلام فعلًا ... فالاستقامة المذكورة تعنى الترجمة الفعلية لقولهم ربنا الله .
(1) ... في ظلال القرآن للشيخ سيد قطب 5 / 3121 ، دار الشروق .
(2) ... النكت والعيون 5 / 180 .
(3) ... المصدر السابق 5 / 179 .