يقول الطبري بعد ذكر أوجه مختلفة:
"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي ذكره الشعبي عن ابن مسعود لصحة الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتأييده , وإذا كان ذلك كذلك فمعنى الكلام لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له أن يشفع عنده ، فإذا أذن الله لمن أذن له أن يشفع عنده فزع لسماعه إذنه حتى إذا فزع عن قلوبهم فجلي عنها ، قالوا: ماذا قال ربكم ، قالت الملائكة الحق وهو العلي على كل شيء الكبير الذي لا شيء دونه" (1) .
وأرجع ابن كثير هذا الأمر إلى ما يحدث للملائكة حال الوحي فقال:
قال ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنه - وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي وإبراهيم النخعي والضحاك والحسن وقتادة في قوله - عز وجل -: { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } قالوا: ماذا قال ربكم ، قالوا: الحق"."
يقول خلي عن قلوبهم ... فإذا كان كذلك سأل بعضهم بعضًا ، ماذا قال ربكم ، فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم ثم الذين يلونهم لمن تحتهم حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا ولهذا قال تعالى: { قَالُوا الْحَقَّ } أي أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان (2) .
فأنت ترى أن الإمام الطبري فسر الآية بالحديث والحالة - فيهما - مختلفة كما علمت ، وترى الإمام ابن كثير قد أحال الآية على الحديث وجعلها حديثًا عن حال الملائكة وقت وحي الله إليهم ، في الوقت الذي تنطق فيه الآية بما يحدث في الشفاعة وحال المخلوقين وقتها .
وقد مال المباركفوري رحمه الله إلى أن المجيبين هم الملائكة المقربون مستدلًا بحديث ابن مسعود السابق ذكره .
ولعل الأقرب إلى الصواب - والله أعلم - أن هذا الأمر يتكرر للملائكة عند سماع الوحي في كل وقت كما يكون من الملائكة ومن الشفعاء والمشفوع لهم في الآخرة ولا مانع من ذلك . والله أعلم
قال الآلوسي:
(1) ... تفسير الطبري 10 / 375 .
(2) ... تفسير ابن كثير 3 / 321 ، مكتبة الإيمان .