فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 214

لقد جاء ذكرهم في الأنعام والأعراف والإسراء وطه ويونس وهود وجميع الحواميم والطواسين وسور أخرى كثيرة . والسور التى أحصيناها هنا مكية كلها ، وقوله تعالى: (( إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ) )آية من سورة النمل المكية.. وعجيب واليهود في مكة نفر لا يؤبه لهم ، أن يعنى القرآن بقصصهم كل هذه العناية . ! ولقد ساءلت نفسى: ما السبب في هذا السرد المفصل لتاريخ بنى إسرائيل في مكة قبل المدينة ؟ أهو تعريف المسلمين بحقيقة القوم الذين سيخالطونهم فيما بعد ؟ إن هذه إجابة غير مقنعة . . وبعد تأمل غير قليل وجدت أن هذا التاريخ يحوى في طياته العناصر الحقيقية لقيام الأمم ، واستقلالها بأمورها ، وازدهار حضارتها ، كما يحوى العناصر الحقيقية لانهيار الأمم ، وذهاب ريحها ، واضمحلال أمرها . . والقصص القرآني من أبرز الوسائل لتربية الأفراد والجماعات ، وقد كان المسلمون المستضعفون في مكة بحاجة إلى أن يعرفوا كيف تحول اليهود الأوائل من ذل هائل ، إلى تحرر وتمكين ، وما هى الفضائل التى لابد من استجماعها كي تبلغ الأمم هذه الغاية الكريمة . وقد تولت السور المكية هذا الشرح ، ورأت القلة المستضعفة كيف تحول شعب تذبح صبيته ، وتستحيا نسوته ، إلى شعب مكين في الأرض سيد على ظهرها ! . وقد سئل ابن القيم: أيمكن للرجل أولا ثم يبتلى ، أم يبتلى أولا ثم يمكن له ؟ فقال: يبتلى أولا ثم يمكن له . وتلا قوله تعالى: (( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) ). والآية من سورة السجدة المكية ، وهى تنبه إلى أن الصبر واليقين أساسا الكفاح الطويل الذى يصل بالأمم المناضلة إلى هدفها . . وقد أكد القرآن هذه الحقيقة الاجتماعية في سورة الأعراف (( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى … ) ). ص _028

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت