فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 40

أما النماذج المعاصرة فأعرف منها عددًا، شباب ثلاثة -تغمدهم الله برحمته- لايزالون في المرحلة الثانوية، قضوا نحبهم في ساعة واحدة، أحدهم كان يسألني قبل موته بأسبوع: من يموت ثم يتأخر دفنه فهل يسأل عن ربه ودينه ونبيه قبل أن يدفن؟ فقلت له: يابني الذي يعنيك أنك ستسأل حتمًا بعد موتك، أما متى وكيف فلا يقدم ذلك ولايؤخر، فالمهم أن تستعد للسؤال، ولم يكن يدر في خلدي أو في خلده هو أنه لم يبق على هذا الموقف إلا أيام قلائل (والآن بعد أن واراك التراب ماذا قيل لك يامحمد وماذا قلت رحمك الله ونور ضريحك أنت ورفاقك؟) ، والآخر كان يتوقد ذكاء وحيوية، وكان كل من حوله يعقد عليه آمالًا عريضة في المستقبل، وكنت كلما مر طيفه بخاطري تمثلت بقول الأول:

ياكوكبًا ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار

وآخر أدى امتحان الشهادة الثانوية، وسافر قبل أن يعلم نتيجته لكن الأجل كان أسبق منها، وآخر أتم الدراسة الجامعية وجاء من رحلة العمرة وهو ينتظر الزواج والوظيفة، ولم يكن يعلم -رحمه الله- أن الأجل أسبق له من مدينته التي رأى معالمها لكنه لم يدخلها إلا محمولًا.

وشابان صالحان -أحسبهما كذلك والله حسيبهما ولا أزكي على الله أحدًا- أحدهما درس أسبوعًا واحدًا في الجامعة، والآخر على وشك إنهاء دراسة الماجستير وافاهما الأجل قادمَين من البلد الحرام.

إن صور هؤلاء الشباب الصالحين يابني لاتزال تتردد في ذهني رحمهم الله وجمعنا بهم في دار كرامته.

وربما كانوا يفكرون كثيرًا في المستقبل، وكان أهلهم يعقدون عليهم آمالًا في هذه الدار فمضوا وودعوا الدنيا بما فيها، نسأل الله أن يكونوا سبقوا إلى خير.

فهل يظن أحد من الشباب يابني أن الأجل سيخطئه؟ أو يضمن أنه سيبلغ المشيب؟

وماذا عن غير الصالحين يا أبي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت