فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 38

الكون والسجود

حينما يتأمل الإنسان في هذا السجود فإنه يجد أن الكون كله ساجد بمعنى ذلته وخضوعه لله سبحانه وتعالى وانقياده وصيرورته وفق حكم الله، وجريان أمره جل وعلا فيه ولذا فإنه بهذا المعنى ساجد لله عز وجل، ثم هو ساجد بالمعنى الحقيقي لأن الله سبحانه وتعالى قال: (( ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ) ) (25) [1] ، فتأمل كل هذا الكون ساجد لا يتخلف عنه أحد إلا صنف هذا الإنسان منه قسم ساجد وقسم معرض جاحد، فيكون هذا الذي نأى عن السجود شاذًا عن الكون مثل الإنسان الذي يكون في جمع كلهم على هيئة واحدة وفي لباس واحد ثم يكون هو الشاذ بينهم، هذا الإنسان الجحود الكنود لله سبحانه وتعالى هو الشاذ المختلف وهو المنفرد عن كل الكون ثم تفرده _ عياذًا بالله _ في بعده واستكباره عن عباده الله سبحانه وتعالى، فيتأمل العبد أنه حينما يسجد لله عز وجل يكون عبارة عن جزء من هذا الكون المسبح بحمد الله الساجد لله سبحانه وتعالى كما ورد في تفسير قول الله سبحانه وتعالى في سورة يس (( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) ) (26) [2] ، ذكر ابن كثير في معاني هذه الآية أن الشمس عند مغيبها وعند كل مغيب تسجد لله سبحانه وتعالى في مواجهة العرش (27) [3] ، وهذا ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي ذر (28) [4] .

بعض الناس يقول كيف يكون هذا السجود؟

وأقول: هو سجود بلسان الحال وكذلك بلسان المقال، أي بالمعنى والفعل ولا عجب ولا استغراب إذ كل سجود له عند الله سبحانه وتعالى الهيئة التي يعلمها ولا نعلمها كما قال الله سبحانه وتعالى: (( والنجم والشجر يسجدان ) ) (29) [5] .

(1) الحج: 18.

(2) يس: 38.

(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 3/ 910.

(4) البخاري (فتح الباري) 6/ 342، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر، حديث رقم (3199) .

(5) الرحمن: 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت