يستطيعون )) (21) ، أي حال بينهم وبين ما يريدون، فهو يوم القيامة الذي يكشف فيه عن الساق ويشتد الكرب والضيق، ويدعى هؤلاء المتكبرون إلى السجود فلا يملكون السجود، إما لأن وقته قد فات، وإما لأنهم كما وصفهم في موضع آخر يكونون (( مُهطعين مُقنعي رؤوسهم ) )وكأن أجسامهم وأعصابهم مشدودة من الهول على غير إرادة منهم، وعلى أية حال فهو تعبير يشي بالكرب والعجز والتحدي المخيف (1) [1] .
قال صلى الله عليه وسلم: (( يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنه ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعه فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا ) ) (2) . فإذا تذكر العبد المؤمن هذا المقام أيضًا فإنه يرى أن مسابقته للسجود نوع نجاة وخلاص من هذا المقام العصيب وذلك الموقف الرهيب ونوع تقرب لله العظيم لينجيه من العذاب الأليم، ولذا كان الساجد أقرب ما يكون من الله.
ومن وجه آخر فإن السجود كما أنه في الدنيا أعظم عبادة وقربه، تكون هيئته بما فيها من الانكباب، وخضوع الأعناق، وذله الجباه هي أعظم صورة للعذاب مع الإهانة لمن أعرضوا واستكبروا، ولم يسجدوا ويخضعوا، ولقد ذكر الله ذلك في سياق وصف عذاب إبليس ومن معه فقال: (( فكبكبوا فيها هم والغاوون ) ) (22 [2] . [3] وكذا في قول الله سبحانه وتعالى:(( فكبت وجوههم في النار ) ) (23) [4] . وكذا في حديث معاذ رضى الله عنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم أو على مناخرهم في النار إلا حصاد ألسنتهم ) ) (24) [5] ، نعم إن أشد وأبلغ أنواع العذاب قسوة وإهانة هي أن يكب الجاحد على وجهه في النار لأنه أعرض عن الطاعة، وأما الساجد الذي قد كب وجهه في الدنيا ذلة لله سبحانه وتعالى واعترافًا بعظمته وسؤالًا لما عنده من الخير ورجاء لدفع العذاب عنه فأنه ينجوا من هذا العذاب، واستحضار هذا المعنى يجعل المسلم يدرك أن السجود وقاية وحماية، ولهذا المعنى كان السجود رفعة للعبد وقربًا من الرب.
(1) في ظلال القرآن 6/ 3667.
(2) ... البخاري (فتح الباري) 8/ 531،كتاب التفسير، سورة (ن و القلم) ، باب (يوم يكشف عن ساق) ، حديث رقم (4919)
(2) الشعراء: 94.
(23) النمل: 90.
(24) سنن الترمذي 5/ 13، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، حديث رقم [2616] .