فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 38

وقدميه وركبتيه وجبهته وأنفه فهذا كله دليل على أنه كله لله سبحانه وتعالى وعلى أن كل حواسه ينبغي أن تكون لله عز وجل وفق أمر الله فبصره ويديه ورجليه وكل شيء يذكره بأنه خاضع لله سبحانه وتعالى، فلا ينبغي أن يسجد ثم ينظر إلى المحرمات بعينه، أو يعتدي على المحرمات بيديه، أو يمشي إلى النكرات برجليه ولا ينبغي كذلك أن يخضع

للشهوات والملذات، وهذا المعنى عندما يتحقق للمتأمل في السجود ومعانيه يكون أكثر حرصًا على الطاعة، وأكثر بعدًا عن المعصية وهذا من أسباب قرب العبد من ربه ومولاه.

6 -الأمر السادس هو أن السجود يفرق ما بين الإنسان والشيطان، إذ هو في الحقيقة مراغمة لهذا الشيطان، ودحرله، لأن الشيطان أمر بالسجود فأبى، وكان ذلك سبب حلول لعنة الله علية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ثم يكون له العقاب في الآخرة، وأما الذي ينأى بنفسه ويسجد استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى فإنه حينئذ يكون متحققًا بالعبودية معلنًا مراغمته وخصومته للشيطان، ولما كان عقاب إبليس عند امتناعه من السجود طرد من رحمه الله وإبعاد، فعندما تسجد لله يكون العكس تعرُّض لرحمة الله واقتراب.

ومتى استطاع الإنسان أن يتحرر من الدنيا وفتنتها، ومن الأشخاص والاتكال عليهم أو الالتجاء إليهم والالتفات لهم، وكذلك من الأعضاء وصيرورتها في غير رضى الله سبحانه وتعالى، ثم نأى بنفسه عن سبل الشيطان وإغوائه، وإغرائه، ورفع شعار المحادة والمفاضلة بينه وبين إبليس اللعين، ذاك فكم يكون قد حاز من أسباب الفلاح؟ وحصل من أسباب زيادة الإيمان؟ ونال من رضى الرحمن؟

ولاشك حينئذ أننا أدركنا أن السجود أسمى مقامات العبد، وهذا فقه قول النبي صلى الله عليه وسلم (اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) (20) [1] .

7 -ومن الدلالات المعنوية وهو الأمر السابق: تذكر سجود الدنيا وسجود الآخرة والفرق بين المؤمن الساجد، والكافر الجاحد. العبد المؤمن دعي للسجود في الدنيا فسجد والكافرون دعوا فأبوا أن يسجدوا، ويوم القيامة يتمنون السجود مع إرادتهم له ورغبتهم فيه لأن ظهورهم تصير طبقًا واحدًا فلا يستطيع الواحد منهم أن يحني ظهره ليسجد، وهذا هو ما ذكره أهل التفسير عند بيان معنى قوله تعالى: (( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا

(1) سبق تخريجه.

(21) القلم: 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت