4 -الأمر الرابع: عدم التفات المسلم في سجوده، إذ في أثناء قيامه في الصلاة قد يلفت نظره شئ من الدنيا أو يرى الأشخاص أو الذوات، وكذا في ركوعه قد يقع بعض ذلك، أما في سجوده فلا يحصل شئ من هذا أبدًا فلا يرى شيئًا من الدنيا، ولا يبصر أحدًا من أهلها، فكأنما انصرف عن كل شئ وعن كل بشر وتجرد من كل نفع ومن كل ضر وتبرأ من كل حول ومن كل طول ولم يبق له نظر إلا إلى الله سبحان وتعالى به يعلق قلبه، وبذكره يرطب لسانه، ومنه يرجوا الإعانة وله يخلص النية، ويكون أكمل تجردأً لله، وأعظم بعدًا عن الالتفات لغير الله، وإذا تجرد العبد من أن يكون ركونه إلى الدنيا فتنه وحبًا، وإلى من فيها رجاء وخوفًا أو طلب ضر أو نفع تحقق بكمال العبودية، وعلم أنه لا تعلق له إلا بالله سبحانه وتعالى وتيقن أنه لا منجا ولا ملجأ له من الله سبحانه وتعالى كما قال جل وعلا: (( ففروا إلى الله ) ) (18) [1] ، ومعلوم أن كل شيء تخافه تفر منه إلا الله عز وجل إذا خفت منه فررت إليه وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا ملجأ ولامنجا منك إلا إليك ) ) (19) ، ولذا كان السجود موضع قرب من الله لأن فيه كمالًا في التجرد لله.
5 -الأمر الخامس: هو أن السجود فيه مشاركة لمعظم الأعضاء، إذ أن الإنسان في وقوفه أو في ركوعه يستخدم بعض الأعضاء ولكن في سجوده يكون على هذه الأرض بيديه
(1) الداريات: 50.
(19) البخاري (فتح الباري) 11/ 117، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا نام، حديث رقم (6313)