الواعي العاقل الذي يبصر فيه يعينه ويدرك بعقله ويتكلم بلسانه ويكون في هيئة مقصودة لذاتها كما سيأتي، ولما كان هذا المعنى يتجسد في السجود فإنه يذكر الإنسان بحقيقته وحقيقة نهايته، وهذا يكون أوقر للإيمان في القلب، واكثر تذكيرًا للعبد بالآخرة وبالوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فيحصل له من الإيمان والتذكر والخشوع ما يكون به أقرب إلى مكان القرب إلى الله سبحانه وتعالى، والتذكير بالتراب الذي هو اصل الخلقة باعث على الذل والتواضع وقد قال أبو العلاء المعري:
خفف الوطء ما أظن أديم
الأرض إلا من هذه الأجساد
هذا الذي يمشي متكبرًا نقول له على مهلك خفف الوطأة فإن أديم الأرض من هذه الأجساد، من هذا التراب، وغدًا تكون ترابًا وتوطأ بالأقدام، فالإنسان لا يجنح عن حقيقة عبوديته إلا عند غفلته عن حقيقة بدئه ونهايته، ولذا كان مطرف بن الشخير _رحمه الله _ يقول في شأن المتكبرين والمتغطرسين: يا ابن آدم هل أنت في أولك إلا نطفة مذرة، وفي آخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بينها تحمل العذرة [1] 17)، فلا يتكبر الإنسان ويطغى إلا حينما يغفل عن هذه الحقيقة، والسجود هو التذكير الأقوى والأبلغ والأعظم بهذه الحقيقة لملامسته لهذه الأرض ولهذا التراب فيتذكر كل هذه المعاني، ويتحقق بجميع تلك الآثار.
3 -الأمر الثالث أن السجود بهيئته صارف عن رؤية الدنيا وفتنتها، فالإنسان حينما يسجد يكون نظره في سجوده إلى هذه القطعة والرقعة الصغيرة في الأرض لا يرى من الدنيا سواها فيتذكر مقدار الدنيا بالنسبة للآخرة، ويدرك دلالة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء ) ) (2) .
وعندما يكون الساجد على هذه الهيئة، وهو عابد لله مسبح باسم ربه الأعلى عند ذلك يجتمع الأمران معًا معرفة بضآلة الدنيا واستشعار لعظمة العبودية، ويعلم أنه لا ينبغي ألا يزيد مقدار الدنيا عن مقدار ما يراه في? AG?___?__?_?_
(1) إحياء علوم الدين 3/ 340.
(2) ... أخرجه الترمذي في السنن 4/ 485، كتاب الزهد باب ماجاء في هوان الدنيا، الحديث (2322) .