تحريما, بل أمامه ما أمامه من بذل غاية الوسع, ونهاية الجهد, في تعرف مورده ومصدره تحريا للحق, واحتياطا للصواب, وهكذا في كل ما يؤثر من الأقوال والآراء, سواء كانت في الأصول أو الفروع أو اللغات أو الأقاصيص, ودليل هذا الأصل آية {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} , وآية {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
إذا عُرف هذا تبين أن التساهل في الحكاية والنقل لا يقول به المحققون, ويربأون بأنفسهم عن الخوض فيه, وإنما يستروح به المتعصبون والمندفعون وراء كل ناعق, أو المقلدون بدون تمحيص ونقد.
وممن نبه على ما وقع من تساهل بعض المؤلفين الإمام فخر الدين الرازي في رسالته التي جمعها في المسائل الواقعة له في رحلته إلى ما وراء النهر, فقد قال في المسألة العاشرة ما مثاله: كتاب الملل والنحل للشهرستاني كتاب حكى فيه مذاهب أهل العالم بزعمه, إلا أنه غير معتمَد عليه, لأنه نقل المذاهب الإسلامية من الكتاب المسمى بالفرق بين الفرق من تأليف الأستاذ أبي منصور البغدادي, قال الرازي: وهذا الأستاذ كان شديد التعصب على المخالفين, فلا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه, ثم إن الشهرستاني نقل مذاهب الفرق الإسلامية من ذلك الكتاب, فلهذا السبب وقع الخلل في نقل هذه المذاهب اهـ كلام الرازي" [1] ."
(1) تاريخ الجهمية والمعتزلة (ص 30 - 32)