قال أبو البركات الآلوسي:"اللبيب من ينتزع الحق من كل كلام عالما بأن معدن الذهب الرغام, وفي المثل: «ليس لِقِدَم العهد يَفضُل القائل، ولا لحداثته يُهتضم المصيب في المحافل» " [1] .
وقد نقل الشيخ جمال الدين القاسمي عن الأمير عبد القادر الحسني الجزائري ثم الدمشقي من مقدمة كتابه «ذكرى العاقل وتنبيه الغافل» ما نصه:"اعلموا أنه يلزم العاقلَ أن ينظر في القول ولا ينظر إلى قائله, فإن كان القول حقا قَبِله سواء كان قائله معروفا بالحق أو الباطل, فإن الذَّهب يُستخرج من التراب والنرجس من البصل والترياق من الحيات ويجتنى الورد من الشوك, فالعاقل يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال, والكلمةُ من الحكمة ضالةُ العاقل يأخذها من عند كل مَن وجدها عنده سواء كان حقيرا أو جليلا, وأقلُّ درجات العالم أن يتميز عن العامي بأمور, منها أنه لا يعاف العسل إذا وجده في مِحْجَمَة الحجام ويعرف أن الدم قذر لا لكونه في المحجمة ولكنه قذر في ذاته فإذا عدمت هذه الصفة في العسل فكونه في ظرف الدم المستقذر لا يكسبه تلك الصفة ولا يوجب نفرة عنه, وهذا وهم باطل غلب على أكثر الناس, فمهما نُسب كلام إلى قائل حَسُن اعتقادهم فيه قَبِلوه وإن كان القول باطلا, وإن نسب القول إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه وإن كان حقا, ودائما يعرفون الحق بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق, وهذا غاية الجهل والخسران, فالمحتاج إلى الترياق إذا هربت نفسه منه حيث علم أنه مستخرج من حية جاهلٌ, فيلزم تنبيهه على أن نفرته جهلٌ محض وهو سبب حرمانه من الفائدة التي هي مطلوبة, فإن العالم هو الذي يسهل عليه إدراك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الجميل والقبيح في الأفعال, لا بأن يكون مُلتبِسا عليه الحق بالباطل والكذب بالصدق والجميل بالقبيح, ويصير يتبع غيره ويقلده فيما يعتقد وفيما يقول, فإن هذه ما هي إلا صفات الجهال" [2] .
وما أحسن قول ابن القيم في حق أبي إسماعيل الأنصاري:"شيخ الإسلام [3] حبيبنا ولكن الحق أحب إلينا منه" [4] .
وقال أرسطو:"أحب أفلاطون وأحب الحق, ولكني أوثر حب الحق على حب أفلاطون" [5] .
(1) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (ص 651)
(2) قواعد التحديث للقاسمي (ص 372 - 373)
(3) قال الملا علي القاري: نديم الباري الشيخ عبد الله الأنصاري الحنبلي قدس الله تعالى سره الجلي, وهو شيخ الإسلام عند الصوفية حال الإطلاق بالاتفاق اهـ. من مرقاة المفاتيح 7/ 2778
(4) مدارج السالكين 3/ 394, وقال أيضا 2/ 37: شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه, وكل من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك.
وقال الشيخ بكر أبو زيد في النظائر (ص 291) :"قاله ابن تيمية في أبي إسماعيل الهروي كما في مدارج السالكين", ولعله سبق قلم, فالقائل ابن القيم.
(5) تمهيد للفلسفة لمحمود حمدي زقزوق (ص 247)