وقال أيضا:"اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلَّد فيه, وفي التقليد إبطالُ منفعة العقل [1] , لأنه إنما خُلق للتأمل والتدبر, وقبيحٌ بمن أُعطي شمعةً يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة, واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يَعظُم في قلوبهم الشخصُ فيتبعون قوله من غير تدبر بما قال, وهذا عينُ الضلال لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل, كما قال علي / للحارث بن حوط - وقد قال له: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على باطل - فقال له: «يا حارثُ إنه ملبوس عليك, إن الحق لا يعرف بالرجال, اعرفِ الحق تعرفْ أهله» , وكان أحمد بن حنبل يقول: من ضِيق علم الرجل أن يقلد في اعتقاده رجلا, ولهذا أخذ أحمد بن حنبل بقول زيدٍ في الجَد وترك قولَ أبي بكر الصديق /" [2] .
وقال الماوردي:"ربما غلا بعض الأتباع في عالمهم حتى يروا أن قوله دليل وإن لم يستدل، وأن اعتقاده حجة وإن لم يحتج، فيفضي بهم الأمر إلى التسليم له فيما أخذ منه, فلا يبعد أن تبطل تلك المقالة إن انفردت أو يخرج أهلها من عداد العلماء فيما شاركت, لأنه قد لا يرى لهم من يأخذ عنهم ما كانوا يرونه لمن أخذوا عنه فيطالبهم بما قصروا فيه فيضعفوا"
(1) كان الإمام ابن الحداد شيخ المالكية وصاحب سحنون يذم التقليد ويقول: هو من نقص العقول، أو دناءة الهمم. سير أعلام النبلاء 14/ 206
(2) تلبيس إبليس (ص 74)