الصفحة 55 من 88

يعمدون إلى ما نقل عنهم في الكتب من الأحوال الجارية عليهم أو الأقوال الصادرة عنهم، فيتخذونها دينا وشريعة لأهل الطريقة، وإن كانت مخالفة للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، أو مخالفة لما جاء عن السلف الصالح، لا يلتفتون معها إلى فتيا فقيه ولا نظرِ عالم، بل يقولون: إن صاحب هذا الكلام ثبتت ولايته، فكل ما يفعله أو يقوله حقٌّ، وإن كان مخالفا للفقه فهو أيضا ممن يقتدى به، والفقه للعموم, وهذه طريقة الخصوص, فتراهم يحسنون الظن بتلك الأقوال والأفعال ولا يحسنون الظن بشريعة محمد /، وهو عين اتباع الرجال وترك الحق، مع أن أولئك المتصوفة الذين يُنقل عنهم، لم يثبت أن ما نُقل عنهم كان في النهاية دون البداية، ولا عُلِم أنهم كانوا مُقِرِّين بصحة ما صدر عنهم أم لا، وأيضا فقد يكون من أئمة التصوف وغيرهم من زل زلة يجب سترها عليه، فينقلها عنه من لا يَعلم حالَه ممن لم يتأدب بطريق القوم كلَّ التأدب, وقد حذر السلف الصالح من زلة العالم، وجعلوها من الأمور التي تَهدم الدين، فإنه ربما ظهرت فتطير في الناس كل مطار، فيعدونها دينا، وهي ضد الدين، فتكون الزلة حُجةً في الدين, فكذلك أهل التصوف لا بد من وقوع الزلل فيهم في الجملة إذ ليسوا بمعصومين, وقد أقر القوم بوقوع المعاصي منهم, وليس من محققيهم من ينفيها [1] , فإذًا لا بد في الاقتداء بالصوفي من

(1) قال ابن السبكي: الكرامة لا توجب عصمةَ الولي ولا صدقَه في كل الأمور, وقد سئل شيخ الطريقة ومقتدى الحقيقة أبو القاسم الجنيد رحمه الله: أيزني الولي؟ فقال: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} . طبقات الشافعية الكبرى 2/ 318

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت