والفاعل وإنما نؤدي بذلك أمانةَ العلم, ومازال العلماء يُبين كل واحد منهم غلط صاحبه قصدا لبيان الحق لا لإظهار عيب الغالط [1] , ولا اعتبار بقول جاهل يقول: كيف يرد على فلان الزاهد المتبرَّك به, لأن الانقياد إنما يكون إلى ما جاءت به الشريعة لا إلى الأشخاص, وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات, فلا تمنع منزلتُه بيانَ زلله. واعلم أن من نظر إلى تعظيم شخص ولم ينظر بالدليل إلى ما صدر عنه كان كمن ينظر إلى ما جرى على يد المسيح صلوات الله عليه من الأمور الخارقة ولم ينظر إليه فادعى فيه الألوهية, ولو نظر إليه وأنه لا يقوم إلا بالطعام لم يعطه إلا ما يستحقه" [2] ."
وقال الشاطبي:"ولقد زل بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال أقوام خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم فضلوا عن سواء السبيل. ولنذكر لذلك عشرة أمثلة, إلى أن قال: والخامس: رأي نابغة متأخرة الزمان ممن يدعي التخلق بخلق أهل التصوف المتقدمين، أو يروم الدخول فيهم،"
(1) قال ابن رجب في الحكم الجديرة بالإذاعة (ص 35) : وقد روي عن الإمام أحمد أنه قيل له: إن عبد الوهاب الوارق ينكر كذا وكذا، فقال: لا نزال بخير ما دام فينا من ينكر. ومن هذا الباب قول عمر لمن قال له: اتق الله يا أمير المؤمنين فقال: لا خير فيكم إن لم تقولها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم اهـ. وقال زروق في قواعد التصوف (ص 184) : لا يزال الصوفية بخير ما تنافروا, فإذا اصطلحوا قلَّ دينُهم, إذ لا يكون صلحهم إلا مع إغضاء عن العيوب, فإنه لا يخلو المرء عن عيب, والله أعلم.
(2) تلبيس إبليس (ص 152)