فالطريقة والحقيقة اللتان امتاز بهما الصوفية كلتاهما خادمتان للشريعة في تكميل الجزء الثالث الذي هو الإخلاص ، فالمقصود منها تكميل الشريعة لا أمر آخر وراء ذلك - إلى آخر ما قال . وقال عليه الرحمة في أثناء المكتوب التاسع والعشرين بعد تحقيق كثير: فتقرر أن طريق الوصول إلى درجات القرب الإلهي جل شأنه سواء كان قرب النبوة أو قرب الولاية منحصر في طريق الشريعة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصار مأمورًا به في آية ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) وآية ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) تدل على ذلك أيضًا - إلى آخر ما قال . قال الوالد نفعنا الله تعالى به في تفسيره سورة الكهف: والذي ينبغي أن يعلم أن كلام العارفين المحققين ، وإن دل على أن لا مخالفة بين الشريعة والطريقة والحقيقة في الحقيقة ، ولكنه يدل أيضًا على أن في الحقيقة كشوفًا وعلومًا غيبية ، ولذا تراهم يقولون: علم الحقيقة هو العلم اللدني ، وعلم المكاشفة وعلم الموهبة وعلم الأسرار والعلم المكنون وعلم الوراثة ، إلا أن هذا لا يدل على المخالفة فإن الكشوف والعلوم الغيبية ثمرة الإخلاص الذي هو الجزء الثالث من أجزاء الشريعة ، فهي بالحقيقة مترتبة على الشريعة ونتيجة لها ، ومع هذا لا تغير تلك الكشوف والعلوم الغيبية حكمًا شرعيًا ، ولا تقيد مطلقًا ولا تطلق مقيدًا ، خلافًا لما توهمه بعضهم ، وقصة الخضر لا تصلح دليلًا . وكذا قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:"حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين من العلم: فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم"لأن الخضر أوحى إليه إن قلنا بنبوته أو الإلهام كان شرعًا إذ ذاك . والوعاء الآخر يحتمل أن يكون علم الفتن .