أمّا كونه بدنيًا: فلأنه مفروض على البدن ، لا على المال كما في الزكاة ، أو صدقة النافلة وغيرهما . فالصلاة عبادة بدنية .. والوضوء عبادة بدنية .. والنية عبادة بدنية . والصوم كذلك . في حين إنّ الحج عبادة اجتمع فيها المال والبدن .
فالعبادات المالية الصرفة: جاز فيها التوكيل والإنابة ، لأن الفريضة في المال ، وإن كان الخطاب لإخراج المال الى الفقير ، قد وجهه الله الى صاحب المال نفسه، فالمطلوب منه لا يتعلق بذات بدنه ، ليقوم هو به دون غيره . فتجوزـ حينئذ ـ النية من غير المزكي أو المتصدق . والنية تحدِّد إذا كان الدفع عن: نفسه ، أو عن فلان ، أو عن فلان … الخ .
وأُلحقَ بهذا الحج ، حيث غَلَّب الشرع جانب المال في حالة عجز البدن ، فإن لم يكن عاجزًا ، وتوازن الاثنان ، لم تجز الإنابة .
كذلك جاز القيام بالعبادة المالية الصرفة ، أو المشتركة من المال والبدن ، من غير صاحبها ولو بعد الموت ، لنفس الاعتبارات التي ذكرناها ، والدفع يكون من التركة لإيصال حقوق الله من: زكاةٍ ، وكفاراتٍ ، وفديةٍ ، وغيرها، فضلًا عن حقوق الناس من ديون ، وتعويضات وما إليهما .
وفي الحج .. يجوز الحج عن المتوفى من تركته إذا أوصى ، تغليبًا للمال على البدن ، لان البدن مفقود ، فيحج عنه الحي ممن يُنيبه الورثة عنه ـ بالشروط الشرعية لذلك ـ . أما الصوم و الصلاة .. فلا يجوز قضاؤهما من أيِّ فردٍ كان . نعم يتطوع عنه قريبه أو الغير، ناويًا القضاء ، لكن هذا لا يُبريء ذمته ، لما ذكرنا . وفي كلِّ الأحوال أمره مردود الى الله ، لكن لا تنفذ وصاياه بالصلاة عنه مقابل مالٍ يُستقطع من التركة .
فالله - جل جلاله - الذي أعطى الانسان هذا الجسد الذي أسكنه الروح ، فأضحى في أبهى حُلّةٍ وحالة ، لا يرضى أن يكون الغني ذا امتياز في عبادة البدن ، بل العبادة البدنيَّة بحقِّه أوجب ، لزيادة الإنعام منه تعالى عليه بالمال .