فليس المقصود بهذا عبادتهم بالتلبس بالصوم والصلاة وغيرها في كل لحظة ، بل بنيّة القربة في كل فعل عادي ، حيث تقلبه النية عباديًا . وهذا من رحمة الله بهذه الأمة ، ومن استمرارية الرحمة التي كانت مصاحبة للرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته .
ويقول القرآن الكريم: { وما أرسلناك إلآّ رحمة للعالمين } الأنبياء / 107 .
فالعَالَمُون ، جنًا وإنسًا ، متفرقون في الأصقاع ، موزعون على الأزمان ، فكيف تعمُّ رحمةُ نبيِّنا هؤلاء ؟ .
فيما ذكرناه ، فهمٌ لبعض تلك الرحمة المُهداة .
ومن تلك الرحمة هو ما يتعلق بأمر النيّة .
يقول رسول الله - عليه السلام -: {.. فمن همَّ بحسنة فلم يعملها ، كتبها الله عنده حسنة كاملة . وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات ، الى سبعمائة ضعف ، الى أضعاف كثيرة . وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة . وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئةً واحدة } .
[ راجع: البخاري / كتاب الرقاق / 6010 ، ومسلم / كتاب الإيمان /187 ، وأحمد / مسند بني هاشم /1897 ، والدارمي / كتاب الرقاق / 2667 ] .
فانظر رحمة الله - عز وجل - .. فالهمُّ بالحسنة يكتب حسنة ، لأن النية [ فعل ] يؤجر المرء عليه ، وبعد التنفيذ تتصاعد الأجور . ومن همَّ بالسيئة فلا شئ عليه رحمة من الله لعباده ، وهي من أوجه الرحمة التي حباها الله لرسوله .
فإذا عَدَل المر عن السوء ، كتب له بذلك العدول حسنة ، لأن العدول عن نية فعل الشيء ، هو [ فعلٌ ] ، ولما كان هذا الفعل حسنًا ، فإنَّه يحوز عنه أجرا !! ، فانظر أثر النية في كسب الأجور ، ونوال المراتب ، والاغتراف من رحمة الله . فقد يسافر المرء لأجل النزهة ، فلو قال إنَّ الله أمرني على لسان رسوله ، إذ يقول:
{ روحوا القلوب ساعة بعد ساعة } ، فإنه يُكتب له في سفره أجر .