الصفحة 51 من 245

وأيضًا فإنه قد تبين أن صورة كل نقطة من المبصر المقابل للبصر تصل إلى البصر على سموت كثيرة مختلفة، وانه ليس يصح أن يدرك البصر صورة المبصر مرتبة على ما هي عليه في سطح المبصر إذا كان إدراك البصر للمبصر من الصورة التي ترد إليه من المبصر إلا إذا كان قبول البصر للصور من سموت الخطوط المستقيمة التي تكون أعمدة على سطح البصر وتكون مع ذلك أعمدة على سطح العضو الحاس، وأن الخطوط المستقيمة ليس تكون أعمدة على هذين السطحين إلا إذا كان مركز هذين السطحين نقطة واحدة مشتركة فإن ذلك ممكن غير ممتنع. وإذا كان قد تبين الآن أن الإبصار ليس يصح أن يكون إلا من الصور التي ترد من المبصر إلى البصر، وكان يصح أن يدرك البصر المبصرات من الصور التي ترد إليه المبصرات إلا إذا كان قبوله لها من سموت الخطوط التي تكون أعمدة على سطح البصر وأعمدة على سطح العضو الحاس، وكانت الخطوط المستقيمة ليس يصح أن تكون أعمدة على هذين السطحين معًا إلا إذا كان مركز هذين السطحين نقطة واحدة مشتركة، فليس يصح إذن أن يكون مركز سطح الجليدية ومركز سطح البصر إلا نقطة واحدة مشتركة، وليس يصح أن يدرك البصر شيئًا من صور المبصرات إلا من سموت الخطوط المستقيمة التي تلتقي أطرافها عند هذا المركز فقط. وهذا المعنى هو الذي كنا ضمنا من قبل عند كلامنا في هيئة البصر تبينه في هذا الفصل، وقد بيناه الآن أعني أن مركز الجليدية ومركز سطح البصر هو نقطة واحدة مشتركة.

وإذ قد تبين ذلك فقد بقي أن نكشف رأي أصحاب الشعاع ونبين فساد الفاسد منه وصحة الصحيح، فنقول إنه إن كان الإبصار إنما هو بشيء يخرج من البصر إلى المبصر فإن ذلك الشيء إما أن يكون جسمًا أو غير جسم فإن كان جسمًا فإننا إذا نظرنا إلى السماء ورأيناها ورأينا ما فيها من الكواكب وميزناها وتأملناها فإنه في ذلك الوقت قد خرج من أبصارنا جسم ملأ ما بين السماء والأرض ولم ينقص من البصر شيء، وهذا محال في غاية الاستحالة وفي غاية الشناعة، فليس الإبصار بجسم يخرج من البصر. وإذا كان الشيء الذي يخرج من البصر غير جسم فإن ذلك الشيء ليس يحس بالمبصر، لأن الإحساس ليس هو إلا للأجسام ذات الحياة، فليس يخرج من البصر المبصر شيء يحس بالمبصر.

وهو بين لأن الإبصار يكون بالبصر، فإذا كان الإبصار إنما هو بالبصر، وكان البصر ليس يدرك المبصر إلا بأن يخرج منه شيء إلى المبصر، وكان ذلك الشيء الذي يخرج من البصر ليس يحس بالمبصر، فالشيء الذي يخرج من البصر ليس يحس بالمبصر، والشيء الذي يخرج من البصر إلى المبصر إنما يؤدي إلى البصر شيئًا ما منه يدرك البصر المبصر. وليس هذا الذي يقال إنه يخرج من البصر شيئًا محسوسًا وإنما هو مظنون. وليس يجوز أن يظن شيء من الأشياء إلا إذا كان هناك علة تدعو إلى الظن به. والعلة التي دعت أصحاب الشعاع إلى القول بالشعاع هي أنهم وجدوا البصر يدرك المبصر وبينه وبينه بعد، والمتعارف من الإحساس أنه لا يكون إلا بالملامسة، وكذلك ظنوا أن الإبصار ليس يكون إلا بشيء يخرج من البصر إلى المبصر ليكون ذلك الشيء إما أن يحس بالمبصر في موضعه وإما أن يأخذ من المبصر شيئًا ويؤديه إلى البصر فيحس به البصر عند وصوله إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت