فلنفرض أن الأمر كذلك وأن الشعاع يخرج من البصر وينفذ في شفيف الجسم المشف وينتهي إلى البصر وان الشعاع يكون الإحساس. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الإحساس إنما يكون بهذا الشعاع، فالإحساس الذي يكون بهذا الشعاع إما أن يتأدى إلى البصر وإما أن لا يتأدى إلى البصر. فإن كان الإحساس يكون بالشعاع ولا يتأدى إلى البصر فليس يحس البصر بشيء. لكن البصر يحس بالمبصر. وإذا كان البصر يحس بالمبصر، وليس يحس به إلا بتوسط الشعاع بينهما، وكان قد تبين أن البصر ليس يحس بالمبصر إلا من شيء يحدثه المبصر بالبصر، فهذا الشعاع إذن الذي يحس بالمبصر يؤدي إلى البصر شيئًا ما منه يحس البصر بالمبصر. وإذا كان الشعاع يؤدي إلى البصر شيئًا ما منه يكون إحساس البصر بالمبصر فالبصر إذن إنما يحس بالضوء واللون اللذين في المبصر من شيء يرد من الضوء واللون اللذين في المبصر إلى البصر، والشعاع هو الذي يؤدي ذلك الشيء. فعلى تصاريف الأحوال ليس يكون الإبصار إلا من ورود شيء ما من المبصر إلى البصر خرج من البصر شعاع أم لم يخرج.
وقد تبين أن الإبصار لا يتم إلا بشفيف الجسم المتوسط بين البصر والمبصر وليس يتم إذا توسط بينهما جسم كثيف. وهو بين أن الجسم المشف ليس يختص بشيء يخالف به الجسم الكثيف مما يتعلق بالضوء واللون إلا بقبوله صور الأضواء والألوان وتأديته لها إلى الجهات المقابلة لها. وقد تبين أن هذه الصور تمتد أبدًا في الهواء وفي الأجسام المشفة ويقبلها الهواء والأجسام المشفة وتؤديها إلى جميع الجهات المقابلة لتلك الأضواء والألوان وتؤديها إلى البصر إذا كان مقابلًا لها . وإذا كان الإبصار ليس يكون إلا من ورود شيء ما من المبصر إلى البصر، وكان الإبصار ليس يتم إلا بشفيف الجسم المتوسط بين البصر والمبصر، وليس يتم إذا توسط بينهما جسم كثيف، وكان الجسم المشف ليس يختص بشيء يخالف به الجسم الكثيف مما يتعلق بالضوء واللون إلا بقبوله صور الأضواء والألوان وتأديته لها إلى الجهات المقابلة، وكان قد تبين أن صورة الضوء واللون اللذين في المبصر تصل إلى البصر إذا كان مقابلًا للمبصر، فالشيء إذن الذي يرد من المبصر إلى البصر الذي منه يدرك البصر الضوء واللون اللذين في المبصر على تصاريف الأحوال ليس هو إلا هذه الصورة خرج من البصر شعاع أم لم يخرج.
وقد تبين أن صور الأضواء والألوان تشرق أبدًا في الهواء وفي الأجسام المشفة وتمتد فيها إلى الجهات المقابلة لها حضر البصر أم لم يحضر. وإذا كان البصر ليس يحس بالضوء واللون اللذين في المبصر إلا من هذه الصورة، وكانت هذه الصورة تمتد أبدًا في الهواء وفي الأجسام المشفة إلى الجهات المقابلة لها حضر البصر أم لم يحضر، فخروج الشعاع إذن عبث وفضل. فالبصر إنما يحس بالضوء واللون اللذين في المبصر من الصورة التي ترد إليه من الضوء واللون اللذين في المبصر، التي تشرق أبدًا في الهواء وفي الأجسام المشفة، وتمتد إلى الجهات المقابلة لها.