الصفحة 49 من 245

وذلك أن البصر إذا أحس بالمبصر بعد أن كان لا يحس به فقد حدث فيه شيء ما بعد أن لم يكنن وليس يحدث شيء بعد أن لم يكن إلا لعلة. ونجد المبصر إذا قابل البصر أحس به البصر، وإذا زال عن مقابلة البصر لم يحس به البصر، وإذا عاد المبصر إلى مقابلة البصر عاد إليه الإحساس. وكذلك نجد البصر إذا أحس بالمبصر ثم أطبق أجفانه بطل ذلك الإحساس، وإذا فتح أجفانه والمبصر في مقابلته عاد ذلك الإحساس. والعلة هي التي إذا بطلت بطل المعلول وإذا عادت عاد المعلول. فالعلة إذن التي تحدث ذلك الشيء في البصر هو المبصر، وتحدثه عند مقابلته للبصر، لأنه متى حضر المبصر وكان في مقابلة البصر وقع الإحساس ومتى غاب المبصر وزال عن مقابلة البصر بطل الإحساس، فالبصر إذن إنما يحس بالمبصر من شيء ما يحدثه المبصر في البصر عند مقابلته للبصر.

وأيضًا فإن البصر ليس يدرك المبصر إلا إذا كان الجسم المتوسط بينهما مشفًا. وليس إدراك البصر للمبصر من وراء الهواء المتوسط بينهما من اجل رطوبة الهواء وسخافته بل من أجل شفيفه، لأنه إذا توسط بين البصر والمبصر حجر من الأحجار المشفة أيضًا أو جسم من الأجسام المشفة، أي جسم كان، أدرك البصر المبصر الذي وراءه ويكون إدراك البصر للمبصر بحسب شفيف الجسم المتوسط، وكل ما كان الجسم المتوسط أشد شفيفًا كان إحساس البصر بذلك المبصر أصح وأبين. وكذلك إن توسط بين البصر والمبصر ماء صاف مشف أدرك البصر المبصر الذي من وراء الماء. وإذا أدرك البصر مبصرًا من المبصرات في ماء صاف مشف، ثم صبغ ذلك الماء بصبغ من الأصباغ القوية حتى يبطل شفيفه ورطوبته باقية، فإن البصر حينئذ لا يدرك ذلك المبصر الذي في الماء.

فيتبين من هذه الأحوال أن الإبصار إنما يتم بشفيف الجسم المتوسط لا برطوبته وسخافته. فالشيء الذي يفعله المبصر في البصر عند مقابلته له الذي منه يقع الإحساس ليس يتم إلا بشفيف الجسم المتوسط بين البصر والمبصر وليس يتم إذا توسط بين البصر والمبصر جسم كثيف. فالضوء واللون اللذان في المبصر إذن ليس يدركهما البصر إلا من شيء ما يحدثه ذلك الضوء واللون في البصر، وليس يحدث ذلك الشيء من الضوء واللون في البصر إلا إذا كان الجسم المتوسط بين البصر والمبصر مشفًا، وليس يحدث إذا كان الجسم المتوسط كثيفًا.

وليس يختص الشفيف بشيء مما يتعلق بالضوء واللون يخالف به الكثافة إلا أن صورة الضوء واللون تنفذ في الشفيف ولا تنفذ في الكثافة، وان الجسم المشف يقبل صورة الضوء واللون ويؤديها إلى الجهات المقابلة لذلك الضوء واللون . وليس للجسم الكثيف هذه الصفة. وإذا كان البصر ليس يحس بالضوء واللون اللذين في المبصر إلا من حدوث شيء ما يحدثه الضوء واللون في البصر، وكان ذلك الشيء ليس يحدث في البصر إلا إذا كان الجسم المتوسط بين البصر والمبصر مشفًا، وليس يحدث إذا توسط بينهما جسم كثيف، وكان الجسم المشف ليس يختص بشيء يتميز به عن الجسم الكثيف مما يتعلق بالضوء واللون إلا قبوله لصور الأضواء والألوان وتأديته لها إلى الجهات المقابلة، وكان قد تبين أن البصر إذا قابل المبصر فإن صورة الضوء واللون اللذين في المبصر تتأدى إلى البصر وتحصل في سطح العضو الحاس، فالبصر إذن إنما يحس بالضوء واللون الذين في المبصر من الصورة التي تمتد في الجسم المشف من المبصر إلى البصر، والشيء الذي يحدثه المبصر في البصر عند مقابلته له وتوسط الجسم المشف بينهما الذي منه يحس البصر بالضوء واللون اللذين في المبصر هو هذه الصورة.

وقد يحتمل أن يقال إن الجسم المشف يقبل من البصر شيئًا ما ويؤديه إلى المبصر وباتصال هذا الشيء بين البصر والمبصر يقع الإحساس، وهذا هو رأي أصحاب الشعاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت