الصفحة 52 من 245

وإذا كان ليس يصح أن يخرج من البصر جسم يحس بالمبصر وليس يصح أن يحس بالمبصر شيء غير الجسم الحي، ولم يبق إلا أن يظن أن ذلك الشيء الذي يخرج من البصر إلى المبصر يقبل شيئًا ويؤديه إلى البصر.وإذا كان قد تبين أن الهواء والأجسام المشفة تقبل صورة المبصر وتؤديها إلى البصر وإلى كل جسم يقابل المبصر فذلك الشيء الذي يظن أنه يؤدي إلى البصر شيئًا من المبصر إنما هو الهواء والأجسام المشفة المتوسطة بين البصر والمبصر. وإذا كان الهواء والأجسام المشفة تؤدي إلى البصر شيئًا من المبصر في كل وقت وعلى تصاريف الأحوال إذا كان البصر مقابلًا للمبصر من غير حاجة إلى خروج شيء من المبصر فقد بطلت العلة التي دعت أصحاب الشعاع إلى القول بالشعاع. لأن هذا الذي دعاهم إلى القول بالشعاع هو اعتقادهم أن الإبصار لا يتم إلا بشيء يمتد بين البصر والمبصر ليؤدي إلى البصر شيئًا من المبصر. وإذا كان الهواء والأجسام المشفة المتوسطة بين البصر والمبصر تؤدي إلى البصر شيئًا من المبصر من غير حاجة إلى شيء يخرج من البصر، وهي مع ذلك ممتدة بين البصر والمبصر، فقد سقطت الحاجة إلى إثبات شيء آخر يؤدي إلى البصر شيئًا، ولم تبق علة تدعوهم إلى أن شيئًا مظنونًا يؤدي من المبصر شيئًا إلى البصر. وإذا لم تبق علة تدعو أصحاب الشعاع إلى القول بالشعاع فقد بطل القول بالشعاع.

وأيضًا فإن جميع أصحاب التعاليم القائلين بالشعاع إنما يستعملون في مقاييسهم وبراهينهم خطوطًا متوهمة فقط ويسمونها الشعاع. وهذه الخطوط هي التي بينا أن البصر ليس يدرك شيئًا من المبصرات إلا من سموتها فقط. فرأي من رأى أن خطوط الشعاع هي خطوط متوهمة هو رأي صحيح، وقد بينا انه ليس يتم الإبصار إلا بها. ورأي من رأى أنه يخرج من البصر شيء غير الخطوط المتوهمة هو رأي مستحيل، وقد بينا استحالته بأنه ليس يشهد به وجود ولا تدعو إليه علة ولا تقوم عليه حجة.

وقد تبين من جميع ما بيناه أن البصر إنما يحس بالضوء واللون اللذين في سطح البصر من صورة الضوء واللون اللذين في سطح المبصر التي تمتد من المبصر إلى البصر في الجسم المشف المتوسط بين البصر والمبصر، وأن البصر ليس يدرك شيئًا من الصور التي ترد إليه إلا من سموت الخطوط المستقيمة التي تتوهم ممتدة بين المبصر وبين مركز البصر فقط التي هي أعمدة على جميع سطوح طبقات البصر، وذلك ما أردنا أن نبين.

وهذا هو كيفية الإبصار بالجملة . لأن البصر ليس يدرك من المبصر بمجرد الحس إلا الضوء واللون اللذين في المبصر فقط، فأما باقي المعاني التي يدركها البصر من المبصر كالشكل والوضع والعظم والحركة وما أشبه ذلك فليس يدركها البصر بمجرد الحس وإنما يدركها بقياس وأمارات، ونحن نبين هذا المعنى من بعد بيانًا مستقصى في المقالة الثانية عند كلامنا في تفصيل المعاني التي يدركها البصر. وهذا المعنى الذي بيناه، أعني كيفية الإبصار، موافق لرأي المحصلين من أصحاب العلم الطبيعي وموافق للمتفق عليه من رأي أصحاب التعاليم. وقد تبين منه أن القبيلين محقان وأن المذهبين صحيحان ومتفقان وغير متناقضين، إلا أنه ليس يتم أحدهما إلا بالآخر ولا يصح أن يتم الإحساس بأحدهما دون الآخر، ولا يصح أن يكون الإبصار إلا بمجموع المعنيين.

والخطوط التي وصفناها هي التي يسميها أصحاب التعاليم خطوط الشعاع، وهي خطوط متوهمة فقط من سموتها فقد بهذه الصور يدرك البصر صور المبصرات. فالإحساس إنما هو من الصورة وهو تأثير الصورة في البصر ومن انفعال البصر بتأثيرها. والبصر متهيئ للانفعال بهذه الصور، ومتهيئ للانفعال على وضع غير محسوس وهو وضع سموت الأعمدة التي تقوم على سطحه فليس يحس بصور المبصرات إلا من سموت الأعمدة فقط، وإنما طبيعة البصر متخصصة بهذه الخاصة لأنه ليس تتميز المبصرات وتترتب أجزاء كل واحد من صور المبصرات عند البصر إلا إذا كان إحساسه بها من السموت فقط. فخطوط الشعاع هي خطوط متوهمة تتشكل بها كيفية الوضع الذي عليه ينفعل البصر بالصورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت