فأما لم يدرك البصر القمر والكواكب متحركة بحركته فإن ذلك لأن المسافة التي يقطعها الناظر المتحرك من سطح الأرض في الزمان اليسير ليس لها قدر محسوس عند بعد القمر والكواكب عند البصر وعند جسم الناظر في الزمان الذي يقطع فيه الناظر المتحرك المسافة التي فيها يدرك القمر أو الكواكب متحركًا. وإذا لم يتغير وضع المبصر عند البصر وعند جسم الناظر، وكان الناظر مع ذلك متحركًا، فإن الناظر إذا وجد وضع المبصر منه في الحال الثانية شبيهًا بوضعه منه في الحال الأولى، ووجد المبصر مسامتًا له على مثل ما كانت مسامتته له، وكان الناظر يحس أنه قد انتقل عن الموضع الأول الذي كان فيه. فإنه يدرك ذلك المبصر منتقلًا بانتقاله، لأن البصر ليس يدرك مبصرًا من المبصرات المألوفة ويدرك وضعه منه وضعًا واحدًا لا يتغير ويكون الناظر مع ذلك متحركًا إلا إذا كان ذلك المبصر متحركًا حركة مساوية لحركة الناظر إليه وفي الجهة التي يتحرك إليها الناظر. فلذلك إذا كان الناظر متحركًا، وكان مع ذلك ينظر إلى القمر أو إلى كوكب من الكواكب، أدرك القمر والكوكب كأنهما متحركان معه حركة مساوية لحركته. وكذلك أيضًا الغلط في حركة القمر إذا أدركه الناظر من وراء السحاب الرقيق، فإنه يظن القمر متحركًا حركة سريعة، وتكون علة غلطه هو تفاوت بعده، ويكون طريق غلطه هو قياس القمر إلى أجزاء السحاب. وقد ذكرنا هذا المعنى من قبل.
السكون وقد يعرض الغلط في السكون أيضًا من اجل خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال، وهو ان المبصر إذا كان يتحرك حركة بطيئة، وكان البصر يدركه من بعد متفاوت، ولم يطل البصر النظر إلى ذلك المبصر، وكان ذلك البصر ربما لم يدرك حركة ذلك المبصر، وإذا لم يدرك البصر حركة المبصر فإنه يظنه ساكنًا. وكذلك صار البصر إذا نظر إلى الكواكب أدركها في الحال ساكنة ولم يحس بحركتها مع سرعة حركتها. وهذا الغلط هو غلط في القياس لأن البصر إنما يدرك السكون بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصر إذا كان على بعد معتدل، وكان متحركًا حركة مساوية لحركة الكوكب، فإن البصر يدرك حركته في الزمان الذي تخفى فيه حركته من البعد المتفاوت الذي يدركه فيه ساكنًا.
فأما لم صار البصر يدرك المتحرك من البعد المتفاوت إذا لم يطل النظر إليه ساكنًا فإن ذلك لأن المبصر إذا كان على ب متفاوت مسرف التفاوت فإنه يقطع في زمان محسوس مسافة غير محسوسة بالقياس إلى ذلك البعد على أي صفة كانت حركته، مستقيمة كانت حركته أو مستديرة، أعني أنه قد يقطع في زمان محسوس مسافة لا يدركها البصر من ذلك البعد. والبصر إنما يدرك المبصر ساكنًا إذا أدركه في زمان محسوس على وضع واحد بالقياس إلى البصر أو إلى جسم من الأجسام. وإذا كان المبصر يتحرك ويقطع في زمان محسوس مسافة غير محسوسة من البعد المتفاوت، فإن البصر إذا نظر إلى المبصر الذي بهذه الصفة من ذلك البعد المتفاوت ولم يثبت في مقابلته إلا زمانًا يسيرًا فإن المبصر في ذلك القدر من الزمان قد يقطع مسافة غير محسوسة بالقياس إلى ذلك البعد. وإذا كان المبصر يقطع في ذلك القدر من الزمان مسافة غير محسوسة بالقياس إلى ذلك البعد، كان البصر يدرك ذلك المبصر من ذلك البعد في ذلك القدر من الزمان على وضع واحد بالقياس إلى البصر نفسه ويظن أنه لم يتغير وضعه، وإذا أدرك البصر المبصر على وضع واحد زمانًا محسوسًا فهو يدركه ساكنًا، فلهذه العلة صار البصر يدرك المبصر المتحرك من البعد المتفاوت ساكنًا إذا لم يطل النظر إليه.