ومن تأمّل نظام الوقف في الإسلام وجده ذا غاية عظيمة، ومقصد نبيل رفيع نحو القيام بمهمة الاستخلاف في الأرض وإعمارها. كيف لا، والأوقاف والأحباس أنواع شتى مما يعمره الإنسان في الأرض. وما قام به هذا الواقف من وقف بعض ماله يمضي في هدى الاستخلاف في الأرض وإعمارها.
فحفر الآبار وبناء الدُّور النافعة وإقامة المشروعات الخيرية التعليمية أو الصحية أو الاجتماعية أو .. إلخ. لهي جزء مهم جدًا من هذه المهمة وتحقيق لهذا المقصد الكبير.
3-إقامة مورد اقتصادي ثابت شامل مستقل فاعل:
(تكمن أهمية الوقف في أنه مورد اقتصادي فاعل، يسهم في تلبية حاجات المسلمين [وغيرهم] (14) الضرورية والحاجية [التحسينية] (15) من الإطعام والتعليم والدعوة من خلال بناء المساجد والمدارس والمعاهد، وإنشاء المشفيات وغير ذلك) (16) .
وإقامة هذا المورد العظيم بأفرعه وأصنافه في سائر بلاد المسلمين وغيرهم يسعى إليه الإسلام؛ لتكتفي الأمة المسلمة بما ليدها من موارد اقتصادية بدل أن تستدين من غيرها، أو تنتظر إحسان غيرها عليها، بل إن الأمة الإسلامية بأفرادها وجماعاتها حين تضع هذا المقصد أمام ناظريها، وترسم له الخطط الاستراتيجية السبعية (17) تستطيع - بإذن الله تعالى وفضله - الاكتفاء ذاتيًا في المراحل الأولى، ثم تصبح من الدول ذات الإنفاق والإحسان على غيرها مسلمين كانوا أو غير ذلك.
ولا يهم أن تكون للدولة مجرد موارد اقتصادية فقط، بل لا بد أن تكون هذه الموارد ثابتة شاملة مستقلة فاعلة، كما هو الحال والشأن بالأوقاف والأحباس.
ولقد عاشت الأمة المسلمة قرونًا وعقودًا سابقة لديها الدخل الكبير، والموازنات العالية دائمًا بسبب كثرة الأوقاف.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (بلغني أن أكثر من ثمانين رجلًا من الصحابة من الأنصار وقفوا) (18) .