وكان من سياسة محمد علي باشا في مصر تجاه أوقاف مصر أن أخذ ما كان للمساجد من الرزق وأبدلها بشيءٍ من النقد يُسمّى (فائض رزنامة) لا يساوي جزءًا من الألف من إيرادها، وأخذ من أوقاف الجامع الأزهر ما لو بقي له اليوم لكانت غلته لا تقل عن نصف مليون جنيه أو أكثر في السنة، وقرر له بدل ذلك ما يساوي نحو أربعة آلاف جنيه في السنة آنذاك (7) .
واستقلال هذه الأوقاف سبب من أسباب التمكين والعزة للمسلمين في ديارهم، والأمة القوية التي تكتفي بنفسها وذاتها عن غيرها.
خامسًا: أنه يواكب العصر ويُلبّي حاجة الأمة.
لقد تقدّم معنا أن الوقف ونظامه مستمر وثابت قائم إلى ما شاء الله تعالى من الدهور، وأن الأصل عدم زواله، وبناء على ذلك فهو موجود في كل عصر ومصر، وهو يتنوع حسب حاجة الأمة.
ففي بعض الأعصار يحتاج المسلمون إلى إقامة الأربطة والمشفيات وتعاهدها مثلًا، وفي أخرى هم بأمسِّ الحاجة إلى المدارس والكتاتيب والمعاهد وهكذا، فيسمح نظام الوقف الإسلامي بالتنوع والتنويع حسب الضرورة والحاجة.
وفي زماننا هذا مثلًا نحن بحاجة إلى إقامة جامعات وقفية (8) ، ووقف عقارات على مشروع الدعوة إلى الله تعالى عبر الشبكة المعلوماتية (الإنترنت) ، ووقف آخر كبير على إجراء البحوث العلمية والعملية، النظرية والتطبيقية وإنشاء صالات ودوواوين وقفية لإقامة المحاضرات والندوات فيها، ووقف أموال على فكاك الأسرى.
فنظام الوقف في الإسلام - يُراعي - مدى حاجة الأمة حسب عصرها ومصرها، والأحوال المحيطة بها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ولن يجمد هذا النظام عند أصناف معينة من الأوقاف خلافًا لمن رأى ذلك (9) .