وهو مايتعلق بأسلوب الدعوة فلا بد من مراعاة هذا الجانب لتأليف قلوبهم إلى الإسلام وتحبيبهم له والأصل في ذلك قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (5) قال ابن القيم رحمه الله تعالى: جعل الله مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريقة الحكمة والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب والمعاند يجادل بالتي هي أحسن (6) .
والمتبع لسيرة المصطفى يجد أنه اتبع هذه الأساليب مع المسلمين وغيرهم كما سيأتي بيانه, وهناك مراتب أخرى خاصة بغير المسلمين وهي أسلوب المباهلة والأساليب الفعلية كالقتال والإجلاء فمراتب الأسلوب لغير المسلمين تكون كما يلي:
1 ـ القول اللين:
فقد أمر الله موسى ـ عليه السلام ـ عندما أرسله إلى فرعون بأن يقول له قولا لينًا قال تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (7) "والقول اللين هو الكلام الدال على معاني الترغيب والعرض واستدعاء الامتثال ، بأن يظهر المتكلم للمخاطب أن له من سداد الرأي ما يتقبل به الحق ويميز به بين الحق والباطل مع تجنب أن يشتمل الكلام على تسفيه رأي المخاطب أو تجهيله ………. ومن اللين في دعوة موسى عليه السلام ـ لفرعون قوله تعالى: {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} (8) وقوله تعالى: {فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} (9) "
وكذلك في دعوة إبراهيم ـ عليه السلام ـ ويظهر ذلك في دعوته لأبيه في قوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} . (10)
قال الشيخ الفخر الرازي: واعلم أن إبراهيم عليه السلام رتب هذا الكلام في غاية الحسن لأنه نبه أولًا على ما يدل على المنع من عبادة الأوثان ثم أمر باتباعه في النظر والاستدلال وترك التقليد ثم نبه على أن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام على ما لاينبغي ثم أنه ـ عليه السلام ـ أورد هذا الكلام الحسن مقرونا باللطف والرفق فإن قوله في مقدمة كل كلام: { يَا أَبَتِ } دليل على شدة تعلق قلبه بمصالحه. (11) قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: وقد أمرنا الله باتباع ملة إبراهيم ، فمن اتباع ملته ، سلوك طريقه في الدعوة إلى الله بطريق العلم والحكمة ، واللين والسهولة ، والانتقال من رتبة إلى رتبة ، والصبر على ذلك ، وعدم السآمة منه ، والصبر على ما ينال الداعي من أذى الخلق ، بالقول والفعل ، ومقابلة ذلك بالصفح ، والعفو ، بل بالإحسان القولى والفعلى . (12)
2 ـ الوعظ والنصح:
يقصد بالوعظ: الأمر بفعل الخير وترك الشرّ بطريقة فيها تخويف وترقيق يحملان على الامتثال، (13) وأما النصح فهو: الدعاء إلى ما فيه الإصلاح والنهي عما فيه الإفساد. (14)
وقد أمر الله بأن تكون الدعوة بالوعظ ، والمتأمل لدعوة الرسل كان يغلب عليها جانب الوعظ , وقد اشتملت الكتب السماوية جميعها على الموعظة ، ودل القرآن على ذلك بآيات كثيرة. (15)
ويرى بعض العلماء أن الوعظ خاص بالإنكار على المسلمين ، منهم الشيخ أبو حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ حيث قال: الوعظ يكون لمن أقدم على الأمر ،وهو عالم بكونه منكرًا ، أو فيمن أصر عليه بعد أن عرف كونه منكرًا ، كالذي يواظب على الشرب ، أو على الظلم ، أو على اغتياب المسلمين. (16)
قلت: من خلال الأمثلة التي ذكرها الشيخ أبو حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ يفهم أنه قصر الوعظ على الإنكار على المسلمين ، والصحيح عدم قصره عليهم فقط بل يعم الكافرين ، وذلك لعدة أوجه:
الوجه الأول: أن الله سبحانه وتعالى سمى القرآن موعظة وهو مليء بالمواعظ ، وقد أرسل به الرسول - صلى الله عليه وسلم - على قريش وقد كانت أمة كافرة تعبد الأصنام قال تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } (17) قال الزمخشري: أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد ، شفاء أي: دواء لما في صدوركم من العقائد الفاسدة، ودعاء إلى الحق ورحمة لمن آمن به منكم. (18)
قالت الباحثة: فإذا كان الخطاب موجهًا للناس جميعًا ومنهم الكافرون أو كان لقريش خاصة ، وقد سمي موعظة فدليل أن الكافرين يدعون بالوعظ ، كما أن الوعظ هنا في التوحيد ، والتوحيد يخاطب به أيضًا الكافرون .