وإذا كان واقع الدعوة المعاصرة مع ثقل ما تحمله على كاهلها من واجبات وأعباء لا تعطي لاستشراف المستقبل كبير اهتمام مع ضرورته في وقتنا المعاصر . فإننا نجد كثيرًا من دول العالم الغربي ومنذ زمن بعيد قد اهتمت بذلك الأمر اهتمامًا بالغًا جعل من دولة السويد أن تضع حقيبة وزارية في حكومتها للاهتمام بالمستقبل منذ عام 1973م ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ستمائة مؤسسة لدراسة المستقبل (10) ؛إلى غيرها من مؤسسات الاستشراف الكثيرة في الغرب والشرق الأسيوي في حين يفتقد عالمنا العربي والإسلامي إلى مثلها وهو يحمل الكثير من الهموم والمشكلات المتجذرة التي تستلزم حلولًا بعيدة وعلاجات طويلة الأمد .
رابعًا: إن اعتبار حجيّة المصلحة المرسلة جعل جمهور الفقهاء يستخرجوا بناءً عليها أحكامًا شرعية لكثير من المسائل التي صدرت بشأنها القوانين والأنظمة ، كقوانين العمل والعمال وأنظمة التجارة والصناعة والزراعة، وفرض عقوبات رادعة لبعض الجرائم كتعاطي المخدرات والاتجار فيها ، إلى غيرها من الأنظمة والقوانين واللوائح التي تنظم المجتمع ولم يرد بشأنها نص من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
فإذا قررنا اعتبار المصلحة المرسلة في تنظيم شؤون المجتمع وإلزام الناس بها فما الذي يمنع من اعتبار المصلحة في تنظيم شؤون الدعوة وتنظيم أمور الدعاة وفق أنظمة وقوانين ولوائح لها قوة التطبيق والإلزام .
خامسًا: يمارس بعض الدعاة إلى الله نوعًا من التلفيق الاجتهادي المذموم بغية الوصول إلى الهدف المطلوب والسيطرة المنشودة ومدّ النفوذ والعلو على كل موجه؛ تحقيقًا لمصلحتهم الخاصة وإن كانت وسائلها ممنوعة؛ فالغاية عندهم تبرر الوسيلة مهما كانت، والعبرة بإيجاد مصلحتهم المتوهمة ولو خالفت نصوص الشرع وقواعده الكلية .
إن هذا المبدأ الميكافيلي الذي سيطر على مناهج بعض الدعوات المغرضة حقق لهم انتصارات هامشية وامتدادًا سرابيًا بين الناس، ولكن على حساب المبادئ الشرعية والثوابت الخلقية في الإسلام .
يظهر هذا الانتهاك في عدة صور عملية واقعية كالطعن والثلب في العقائد والأعراض وتصيد الأخطاء والزلات لكل داعية يخالف منهجهم وتشويه المناهج الأخرى من أجل التصدر والاعتلاء على الساحة الدعوية.
وقد ترى تقلب المبادئ والمناهج بين الأخذ بالعزائم والتشدد في العقائد والعبادات وامتحان الناس بها وأخذ خواصهم بالرخص الملفقة وإسرارهم بها، يقول عمر بن عبد العزيز منبهًا على خطورة هذا المنهج البدعي الذي ظهر في زمانه: (( من جعل دينه للخصومات أكثر التنقل ) ) (11) كما نجد السعي الدؤوب في تبرير كل اجتهاد نَحَوْه مهما كان انحرافه وليّ أعناق الفتاوى فضلًا عن نصوص الشرع لتوافق أهواءهم وطموحاتهم الحزبية.
إن دعوة قامت على هذا الجرف الهار لا تلبث أن تنهار وتذهب ريحها ويتفرق جمعها (( إن الله لا يصلح عمل المفسدين ) ) (12) وسنن الحق سبحانه في أمثالهم جارية والزمن كفيل بإثبات الحق وإظهاره .
فالمصالح الدعوية إن لم تقم على ربانية صادقة مخلصة وتمييز للثوابت عن المتغيرات والمتغيرات عن الثوابت بفقه دقيق وتأصيل عميق، وإلا كانت بداية انحراف وزيغ وفتنة للدعاة تذكيها مع الأيام حركات فاتنة في صفقات غابنة لا مربح لأحد إلا أعداء الدعوة ودعاة السوء والفتنة.
المقال السابق: ضوابط المصلحة الدعوية (1)
(1) الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي د. عبد المجيد الشرفي ص118 .
(2) انظر: الفكر السامي للحجوي 1/286 .
(3) الموافقات 5/177 .
(4) الأنعام: 108
(5) البقرة:179
(6) انظر: الموافقات 5/180و181 .
(7) إعلام الموقعين 3/109 بتصرف .
(8) الموافقات 5/177 .
(9) انظر: الموافقات 5/177و233 ، الأشباه والنظائرللسيوطي ص322-325 ، نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي د. حسين حامد حسان ص193-199 .
(10) انظر: مدخل إلى التنمية المتكاملة د. عبد الكريم بكار ص 155 .
(11) الشرح والإبانة ص 143 نقلًا عن مناهج أهل الأهواء للعقل ص 90 .
(12) يونس: 81
كاتب المقال: د.مسفر بن علي القحطاني
مراتب دعوة غير المسلمين (1-2)
بقلم: د.فاطمة بنت صالح الجارد
تعريف المراتب لغة واصطلاحًا:
مراتب جمع مرتبة والمرتبة هي: المَنْزِلةُ. وفي الحديث: من مات على مَرْبَتةٍ من هذه المَراتِب، بُعِثَ عليها؛ المَرْتَبة: المَنْزِلةُ الرَّفِيعةُ؛ أراد بها الغَزْوَ والحجَّ،ونحوهما من العبادات الشاقة (1) .
المراتب في الاصطلاح هي: الدرجات (2) .
ومراتب دعوة غير المسلمين هي الدرجات التي يتبعها الداعي في دعوته لغير المسلمين بحسب ما تقضيه الأحوال.
وقد أطلق ابن القيم مراتب الدعوة على كيفيتها (3) وامتداد مكانها (4) وعلى هذا فالدعوة لابد أن تكون مرتبة بأسلوبها وبانتشارها كما أن الإعلام بالدعوة قد يكون سريا وقد تكون جهريا وهذه مرتبتي الإعلام ، وكذلك طريقة الاتصال قد يكون اتصال مباشر وغير مباشر ، وقد تتوالى هذه بحسب أو تختلف بحسب حاجتها ، وكذلك قد يكون الاتصال فرديا وقد يكون جماعيًا ، فقد تتوالى تلك المرتبتين أو تختلف حسب الحاجة .
فمراتب الدعوة لغير المسلمين تكون كالتالي:
أولًا: الترتيب الكيفي ( الأساليب ) :