الصفحة 934 من 3812

والوجه الثاني: أن الله تعالى قد خص سورة هود في أن فيها موعظة للكافرين وتذكره لللمؤمنين ، لشمولها على أحوال الأمم السابقة المكذبة لرسلهم ، فعندما قص قصصهم قال تعالى: - في آخر السورة - {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} (19) قال الطبري: وجاءك موعظة تعظ الجاهلين بالله وتبين لهم عِبره ممن كفر به وكذّب رسله. وتذكرة تذكر المؤمنين بالله ورسله كي لا يغفلوا عن الواجب لله عليهم. (20) وقال القرطبي: الموعظة ما يُتّعظ به من إهلاك الأمم الماضية، والقرون الخالية المكذبة؛ وهذا تشريف لهذه السّورة؛ لأن غيرها من السّور قد جاء فيها الحقّ والموعظة والذّكرى ولم يقل فيها كما قال في هذه على التّخصيص. (21)

والوجه الثالث: خطاب الله سبحانه وتعالى للكافرين بالوعظ في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} (22) فالله سبحانه وتعالى أطلق على هذا الخطاب وعظًا وهو موجه لكفار قريش وفي هذا الخطاب يطالبهم بالتفكر والتأمل ليثبت لهم عكس ما ادعوه .

والوجه الرابع: إسلام عثمان بن مظعون عندما سمع أجمع آية في القرآن في الوعظ ، وقد أطلق الله سبحانه وتعالى عليها وعظًا وهي قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (23) عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم- بِفِنَاءِ بَيْتِهِ بِمَكَّةَ جَالِسٌ إِذْ مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَكَشَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فَقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ( ألَا تَجْلِسُ ) قال: {بَلَى } قال: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَقْبِلَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُهُ إِذْ شَخَصَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَنَظَرَ سَاعَةً إِلَى السَّمَاءِ فَأَخَذَ يَضَعُ بَصَرَهُ حَتَّى وَضَعَهُ عَلَى يَمِينِهِ فِي الْأَرْضِ فَتَحَرَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ جَلِيسِهِ عُثْمَانَ إِلَى حَيْثُ وَضَعَ بَصَرَهُ وَأَخَذَ يُنْغِضُ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَسْتَفْقِهُ مَا يُقال: لَهُ وَابْنُ مَظْعُونٍ يَنْظُرُ فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَاسْتَفْقَهَ مَا يُقال لَهُ ، شَخَصَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى السَّمَاءِ كَمَا شَخَصَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ حَتَّى تَوَارَى فِي السَّمَاءِ فَأَقْبَلَ إِلَى عُثْمَانَ بِجِلْسَتِهِ الْأُولَى قال: { يَا مُحَمَّدُ فِيمَ كُنْتُ أُجَالِسُكَ وَآتِيكَ مَا رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ كَفِعْلِكَ الْغَدَاةَ } قال: ( وَمَا رَأَيْتَنِي فَعَلْتُ ؟ ) قال: رَأَيْتُكَ تَشْخَصُ بِبَصَرِكَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ وَضَعْتَهُ حَيْثُ وَضَعْتَهُ عَلَى يَمِينِكَ فَتَحَرَّفْتَ إِلَيْهِ وَتَرَكْتَنِي فَأَخَذْتَ تُنْغِضُ رَأْسَكَ كَأَنَّكَ تَسْتَفْقِهُ شَيْئًا يُقال لَكَ قال: وَفَطِنْتَ لِذَاكَ قال عُثْمَان ُ: نَعَمْ ، قال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ) أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ آنِفًا وَأَنْتَ جَالِسٌ ( قال: رَسُولُ اللَّهِ ؟ قال: ) نَعَمْ (قال: {فَمَا قال لَكَ ؟ } قال: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (24) قال عُثْمَانُ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي وَأَحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ) (25) (26)

ومن الوعظ الحسن الترغيب بتعريفهم بفضل إيمانهم فالأجر لهم مضاعف عن أبي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ( ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -الحديث ) . (27 )

3-المجادلة:

هي دفع القول على طريق الحجة بالقوة وتكون حقا في نصرة الحق وباطلًا في نصرة الباطل. (28)

والأصل فيها قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (29) والأمر هنا لم يخصص لذا فتكون المجادلة للمسلمين وغير المسلمين ، ولكن تختلف لغيرالمسلمين باختلاف المدعوين .

أ: مجادلة مدعي الربوبية:

كما جادل إبراهيم وموسى ـ عليهما السلام - ، النمرود بن كنعان وفرعون مصر ففي جدال إبراهيم قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (30)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت