الصفحة 929 من 3812

وهذا القول لا شك أنه يؤدي إلى تعطيل الشريعة بنظر اجتهادي عقلي محض يجعل المجتهد أو الناظر في النصوص يقبل ما شاء منها ويرد ما شاء بزعم أنها تخالف المصلحة التي يراها من خلال ظنه وهواه ، فالمصلحة إذا عارضت النص والإجماع تعتبر ملغاة ولا يعتد بها ، ولذلك قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله ضمن حديثه عن المصلحة المرسلة: » ألا تكون المصلحة في الأحكام التي لا تتغير كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود والمقدرات الشرعية ، ويدخل في ذلك الأحكام المنصوص عليها والمجمع عليها وما لا يجوز فيه الاجتهاد « ( 15) .

فالمصلحة إذا خالفت ما هو منصوص عليه أو مجمع عليه فهي فاسدة غير معتبرة .

ثالثًا: أن تكون المصلحة يقينية:

بمعنى أن يعلم المجتهد أو الناظر في اعتبارها قطعية وجودها لا أن يظن أو يتوهم أويشك وجود المصلحة المبحوثة في المسألة ثم يحكم باعتبارها من خلال هذا الظن الغير معتبر في الشرع .

وقد ذكر الإمام الغزالي رحمه الله هذا الشرط وذكره من خلال أمثلة من ذلك ؛ ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم فقد قال رحمه الله: » لا يحل رمي الترس - أي هذا المسلم الذي تترسوا به - إذ لا ضرورة فبنا غُنية فنعدل عنها ، إذ لم نقطع بظفرنا بها ، لأنها ليست قطعية بل ظنية « ( 16) ، وقال في صدد منع قطع المضطر قطعة من فخذه ليأكلها إلى أن يجد الطعام: » لكن ربما يكون القطع سببًا ظاهرًا في الهلاك يمنع منه ، لأنه ليس فيه تعيين الخلاص فلا تكون المصلحة قطعية« ( 17) .

أما إذا كان الظن بوجود المصلحة ظنًا راجحًا ناشئًا عن الاجتهاد فإنه ينزّل منزلة اليقين ؛ لأن غلبة الظن معتبرة شرعًا إذا عدم القطع . ( 18)

ويكفي للتدليل على اعتبار الظن الغالب في المصلحة ما اعترض به الغزالي رحمه الله على نفسه حيث قال: » بأن استأصال الكفار للمسلمين أمر مظنون فكيف نجيز قتل الترس بهذا المظنون ،،؟ وأجاب: » إنما يجوز ذلك عند القطع أو ظن قريب من القطع، والظن القريب من القطع إذا صار كليًا وعظم الخطر منه فتحتقر الأشخاص الجزئية بالإضافة إليه « ( 19)

يقول العز بن عبد السلام رحمه الله: » كذب الظنون نادر وصدقها غالب - أي في المصالح والمفاسد - وكذلك يبنى جلب مصالح الدارين ودفع مفاسده على ظنون غالبة متفاوتة في القوة و الضعف والتوسط بينهما، على قدرحرمة المصلحة والمفسدة ومسيس الحاجة« ( 20) .

رابعًا: أن تكون المصلحة كلية .

بمعنى أن لا تقتصر على فئة وتضر أخرى ، وهذا الشرط ذكره الغزالي رحمه الله كذلك وضرب له أمثلة منها: » إذا كان جماعة في مخمصة ولو أكلوا واحدًا منهم بالقرعة لنجوا « وقال: » لا رخصة فيه لأن المصلحة ليست كلية ، ومثلها لو كان جماعة في سفينة لو طرحوا واحدًا منهم لنجوا وإلا غرقوا بجملتهم ، وقال إنها ليست مصلحة كلية ؛ إذ يحصل بها هلاك عدد محصور « ( 21) .

ومما يجدر التنبيه له هنا أن المقصود بكلية المصلحة ليس بأن تعمَّ الأمة جمعاء ، بل المراد أن المصلحة المتوخاة لفئة معينة لا ينبغي أن ينظر فيها إلى قوم منهم دون اعتبار بعضهم ممن هم شهود على هذه المصلحة وهذا ما أكده الإمام الزركشي -رحمه الله- في بيانه لمعنى مثال الغزالي -رحمه الله- حيث قال: » وصورة الغزالي إنما هي في أهل محلة بخصوصهم استولى عليها الكفار ، لا جميع العالم . وهذا واضح « ( 22)

فالمصلحة الكلية هنا لا تنفي اعتبار المصلحة الجزئية ؛ ولكن إذا حصل التعارض بينهما فلا ينظر حينئذٍ إلى المصلحة الجزئية في مقابل الكلية . ( 23)

خامسًا: عدم تفويت المصلحة لمصلحة أهم منها أو مساوية لها .

وهذا الضابط معتبر عند تعارض المصالح في أيهما يقدم ، ولا شك أن الذي يقدم هو الأهم والأولى في الاعتبار،وميزان الأهمية يرجع إلى ثلاثة أمور ؛ كما ذكرها د.البوطي:

أولًا: النظر إلى قيمتها من حيث ذاتها ودرجتها في سلم المقاصد . فالضروريات لا تقدم عليها الحاجيات أو التحسينيات ، كما لا تقدم التحسينيات على الحاجيات وهكذا ، فإن كانت المصالح في درجة الأهمية في سلم المقاصد واحدة ؛ ينظر حينئذٍ في:

الثاني: وهو من حيث مقدار شمولها ، فالمصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة فإن كانوا في الدرجة والشمول سواء اعتبر:

ثالثًا: مدى التأكد من وقوع نتائجها من عدمه . فتقدم الأكيدة على الظنية كما بينا سابقًا . ( 24)

وهناك بعض المعايير المعتبرة أيضًا في تقديم بعض المصالح على بعض عند التعارض منها:

ا- أن المصلحة الدائمة أولى من المنقطعة ، كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ) )متفق عليه ( 25)

ب- أن المصلحة المتعدية أولى من المصلحة القاصرة ، مثل مصلحة العلم أولى من مصلحة العبادة .

ج- أن المصلحة الأطول نفعًا تقدم على المصلحة المحدودة ، مثل تقديم الصدقة الجارية على غيرها . ( 26)

يقول العز بن عبد السلام رحمه الله: » والوقوف على تساوي المفاسد وتفاوتها عزَّة لا يهتدى إليها إلا من وفقه الله تعالى والوقوف على التساوي أعز من الوقوف على التفاوت ولا يمكن ضبط المصالح والمفاسد إلا بالتقريب « ( 27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت