الصفحة 930 من 3812

ويزيد ابن القيم رحمه الله هذه القاعدة توضيحًا بقوله: » فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحة خاصة أو راجحة ، وإما أن تشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة ، وإما أن تستوي مصلحتها ومفسدتها ، فهذه أقسام خمسة: منها أربعة تأتي بها الشرائع ؛فتأتي بما مصلحته خالصة أو راجحة آمرة به أو مقتضية له ، وما مفسدته خالصة أو راجحة فحكمها فيه النهي عنه وطلب إعدامه ، فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة والراجحة وتكميلهابحسب الإمكان وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلها بحسب الإمكان . فمدار الشرائع والديانات علىهذه الأقسام الأربعة « ( 28) .

وهذا التقديم والتأخير للمصالح أو المفاسد قد يختلف أحيانًا باختلاف أحوال الناس والعوائد وظروف الأزمنة والأمكنة ولذلك كان من الأمور الدقيقة المهمة والتي ينبغي فيها على المجتهد أو الناظر أن يكون في غاية التحفظ والحذر .

يقول الشنقيطي رحمه الله: » والتحقيق أن العمل بالمصلحة المرسلة أمر يجب فيه التحفظ غاية الحذر حتى يتحقق صحة المصلحة وعدم معارضتها لمصلحة أرجح منها أو مفسدة أرجح منها أو مساوية لها ، وعدم تأديتها إلى مفسدة في ثاني حال « ( 29) .

(1) المستصفى 2/139 .

(2) شرح الكوكب المنير 4/432 .

(3) مجموع الفتاوى 11/ 342 .

(4) انظر: الاستصلاح والمصلحة المرسلة د. الزرقا ص 39 ، السياسة الشرعية د. القرضاوي ص82 .

(5) انظر: إرشاد الفحول 3/808و809 ، الوجيز د. زيدان ص240، رفع الحرج د. الباحسين ص270، وفي ذلك يقول الإمام القرافي رحمه الله:'' وهي عند التحقيق في جميع المذاهب لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة ولا يطلبون شاهدًا بالاعتبار ؛ ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك"تنقيح الفصول ص446"

(6) انظر: الموافقات 2/9 .

(7) إعلام الموقعين 3/13 .

(8) الأحكام للآمدي 4/32 .

(9) انظر المستصفى 1/141، شرح تنقيح الفصول ص446، البحر المحيط6/78-79،تقريب الوصول ص412، شرح الكوكب المنير4/432، ضوابط المصلحة للبوطي ص110 ومابعدها.

(10) المائدة 49 .

(11) النساء 59 .

(12) المائدة 44 .

(13) انظر: الاجتهاد المعاصر د. القرضاوي ص 68-72، ضوابط المصلحة للبوطي ص120 .

(14) انظر تحيق الكلام في خلاف الطوفي: ضوابط المصلحة للبوطي ص178، والاسصلاح والمصلحة للزرقاص75، وبحث د. أحمد الريسوني في مجلة المسلم المعاصر العدد 13 بعنوان: ( النص والمصلحة بين التطابق والتعارض ) .

(15) المصلحة المرسلة ص10 .

(16) المستصفى 1/ 296 .

(17) المرجع السابق 1/ 297 .

(18) انظر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام مادة ( 1004 ) .

(19) المستصفى 1/300 .

(20) مختصر الفوائد في أحكام المقاصد ص 133و 134 .

(21) المرجع السابق 1/296، وانظر أيضًا: إرشاد الفحول ص243 ، رفع الحرج للباحسين ص 265 .

(22) البحر المحيط 6/ 80 . ومثال الغزالي الذي أشار إليه الزركشي مسألة تترس الكفار بأسرى من المسلمين وهذا المثال يجري في هذا الضابط أيضًا لأن المصلحة ليست كلية بل تضرر بها أولئك الأسرى من المسلمين . انظر: ضوابط المصلحة للبوطي ص 341 ، نظرية المصلحة لحسين حامد حسان ص 454 ، رفع الحرج للباحسين ص 264 .

(23) انظر: مختصر الفوائد في أحكام المقاصد لابن عبد السلام ص 141و142 .

(24) انظر: ضوابط المصلحة للبوطي ص217 وما بعدها .

(25) رواه البخاري في كتاب التهجد باب من نام عن السحر رقم (1132) ورواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين ، باب في صلاة الليل رقم (741 )

(26) انظر: مختصر الفوائد في أحكام المقاصد لابن عبد السلام ص141و142، قواعد الأحكام 1/66 طبعة دار الكتب العلمية .

(27) قواعد الأحكام ص47 تحقيق الخنّ .

(28) مفتاح دار السعادة 2/14 مكتبة محمد علي صبيح .

(29) المصالح المرسلة للشنقيطي ص 21 نقلًا عن معالم أصول الفقه للجيزاني ص245 .

كاتب المقال: د. مسفر بن علي القحطاني

ضوابط المصلحة الدعوية (2)

وإذا كان واقع الدعوة المعاصرة مع ثقل ما تحمله على كاهلها من واجبات وأعباء لا تعطي لاستشراف المستقبل كبير اهتمام مع ضرورته في وقتنا المعاصر . فإننا نجد كثيرًا من دول العالم الغربي ومنذ زمن بعيد قد اهتمت بذلك الأمر اهتمامًا بالغًا جعل من دولة السويد أن تضع حقيبة وزارية في حكومتها للاهتمام بالمستقبل منذ عام 1973م

ذُكر في الجزء الأول من المقال أهم الضوابط الشرعية للعمل بالمصلحة المرسلة سواء كان العمل بها في مجال الدعوة والإصلاح أو غيره ذلك , وأحب أن أقرر بعد التمهيد السابق بذكر بعض التنبيهات والإشارات في التطبيقات الدعوية للمصلحة في واقعنا المعاصر، أوجزها فيما يلي:

أولًا: إن اعتبار الأخذ بالمصلحة وبناء الأحكام عليها وجعلها ذريعة لمواقف ومنطلقات تقوم عليها الدعوة ينبغي أن يحتاط له ولا يكون مدخلًا لنوازع النفس والهوى أو بابًا مفتوحًا للأدعياء وأنصاف العلماء، أو نوعًا من الإقرار بالمصالح الضعيفة أو الموهومة نتيجة لضغط الواقع ، أو بحجة فقة التيسير ، أو توسعًا في الانفتاح على المجتمعات والرقي في سلم الحضارات .

ومن وسائل الاحتياط والاهتمام في الأخذ بالمصلحة في قضايا الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد أن تكون منطلقة من أهل الاجتهاد من العلماء والباحثين من أهل الفقه والعلم لسعة اطلاعهم وشمول معرفتهم لأحكام الشريعة، وكلما كان النظر والاستدلال من خلال اجتهاد جماعي لا فردي كان أكثر دقة وأقرب إلى الصواب وأقل احتمالًا في الخطأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت