الصفحة 928 من 3812

أما إذا كانت المصلحة مرسلة وهي كل مصلحة داخلة في مقاصد الشرع ولم يرد في الشرع نصٌ على اعتبارها بعينها أو بنوعها ، ولا على استبعادها . (4 )

فهذا النوع من المصالح المرسلة معتبر في حقيقتة ضمن مقاصد الشريعة ، وجمهور العلماء قد اعتبروا حجية المصلحة المرسلة وإن أنكرها بعضهم كما هو منسوب للشافعية والحنفية إلا أن كتبهم واجتهاداتهم قائمة في كثير منها على اعتبار المصلحة المرسلة ( 5) .

فإنها وإن لم ينص دليل خاص على اعتبارها لكن الاستقراء التام لنصوص الشرع يدل على قيام الشريعة كلها على جلب المصالح واعتبارها ودرء المفاسد وإلغائها أوتخفيفها .

يقول الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ: » والشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل ودرء المفاسد عنهم « ( 6) .

ويقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: » الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ومصالح كلها وحكمة كلها « ( 7) .

والصحابة رضي الله عنهم جروا في اجتهادهم على رعاية المصالح وبناء الأحكام عليها فمن ذلك: جمع صحف القرآن في مصحف واحد ، وجمع المسلمين على مصحف واحد ، وتضمين الصُنّاع ، وقتل الجماعة بالواحد ، وتعريف الإبل الضالة ، ومنع صرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم وغير ذلك .

يقول الآمدي رحمه الله: » فلو لم تكن المصلحة المرسلة حجة أفضى ذلك أيضًا إلى خلو الوقائع عن الأحكام الشرعية لعدم وجود النص أو الإجماع أو القياس فيها « ( 8) .

وبذلك تبقى الشريعة مرنة صالحة للناس لا تقف بهم وسط الطريق بل تحكم أفعالهم وترفع الحرج عنهم والله عز وجل قد جعلها رحمة للعالمين .

والدعوة إلى الله عز وجل نوع من أحكام الإسلام ؛ أمر الله عز وجل بها وحث عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم فأحكامها ووسائلها راجعة إلى قواعد الشرع وأدلته وأحكامه .

وبناء على ما تقدم نعرف أن المصلحة الدعوية إذ لم يشهد لها الشارع باعتبار أو بإلغاء فهي من قبيل المصلحة المرسلة شرعًا.واعتبارها حجة ؛ أمر مقرر عند العلماء وذلك لقيام الشريعة كلها على جلب المصالح ودفع المضار .

فما يراه الدعاة من أمور الدعوة وقضاياها فيه مصلحة كان حكمه الاعتبار وما رأوا فيه مفسدة كان حكمه الإلغاء والرد . ولكن العلماء خشيةً منهم في دخول الهوى وحظوظ النفس في اعتبار المصلحة أو إلغائها بالنسبة للعلماء أو الدعاة وخصوصًا ما يحدث ويستجد من أمور قد يختلط على الناظر تقدير المصلحة على وجهها الصحيح قرروا في ذلك ضوابط لا بد منها في الأخذ بالمصلحة واعتبارها دليل يحتج به في النوازل والحوادث والمستجدات وعند تغير الظروف والأحوال والأزمنة

وهذه بعض الضوابط الشرعية في المصلحة الدعوية:-

أولًا: اندراجها ضمن مقاصد الشريعة .

فالمصلحة التي لم ينصّ عليها لا بد أن تكون قائمة على حفظ مقاصد التشريع الخمسة: حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال ، وكل ما يفوت هذه الأصول أو بعضها فهو مفسدة ، ثم إن درجة حفظ هذه المقاصد يتدرج إلى ثلاث مراحل بحسب الأهمية وهي ما أطلق عليه علماء الأصول اسم: الضروريات والحاجيات والتحسينيات ( 9 ) .

فكل حكم تشريعي في الإسلام لا يخرج عن هذه المقاصد نُص عيه أو لم ينص عليه؛ بمعنى دلت عليه الأدلة الأخرى ومنها المصلحة المرسلة وذلك لاندراجها تحت نوع من تلك المقاصد الشرعية المعتبرة

ثانيًا: أن لا تخالف نصوص الكتاب والسنة .

ويدل على ذلك عقلًا: أن المصلحة ليست بذاتها دليل مستقل بل هي مجموع جزئيات الأدلة التفصيلية من القرآن والسنة التي تقوم على حفظ الكليات الخمس ،فيستحيل عقلًا أن تخالف المصلحة مدلولها أو تعارضه وقد أثبتنا حجيتها عن طريقه وذلك من قبيل معارضة المدلول لدليله إذا جاء بما يخالفه وهو باطل.

وقد دل على ذلك من القرآن قوله تعالى: وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ (10 ) وقوله تعالى فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ( 11) وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ( 12) .

فاعتبار المصلحة ورد الكتاب والسنة من تحكيم الهوى وهو منازعة لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فلا تعتبر المصالح الموهومة الغير مستندة إلى نص وفيها معارضة للكتاب والسنة مثل مصلحة إيجاب الصيام في كفارة الجماع بدل عتق الرقبة في حق الغني كما أفتى بذلك القاضي يحيى بن يحيى الليثي ـ رحمه الله ـ لوالي الأندلس في عصره .

ومثال ذلك: تحليل الربا باعتباره مصلحة اقتصادية مهمة ، وإباحة الزنا وبيع الخمور تشجيعًا للسياحة واستقطاب الأموال .

ومثاله أيضًا: من ذهب إلى القول بنقل صلاة الجمعة إلى يوم الأحد في البلاد الكافرة .

ومثاله أيضًا إلقاء الرخص الشرعية لعدم الحاجة إليها في عصرنا الحاضر كالقصر والفطر في السفر ، أو التسوية بين البنت والابن في الميراث بدعوى المصلحة ، وغيرها من الأمثلة الكثيرة . ( 13)

وقد خالف في ذلك الإمام الطوفي ـ رحمه الله ـ كما اشتهر عنه , حيث نادى بجواز تقديم المصلحة مطلقًا على النص والإجماع عند معارضتها لهما . ( 14)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت