الصفحة 927 من 3812

3-غياب حس الأولويات في الدعوة: فسوء فهم الشريعة واختلاط مراتب أحكامها يؤدي إلى عجز الدعاة عن البدء بما يجب البدء به. فإذا كان في أحكام الدين واجب ومستحب، وفاضل ومفضول، فإن الدعوة إلى الواجب والفاضل مقدم على الدعوة إلى مادونها، لكننا نرى من بين شباب الصحوة الإسلامية ودعاتها من ينشغل بالمسائل المرجوحة والأحكام الخلافية، وتُبدد الجهود والطاقات فيها، والأولى البدء بالدعوة إلى أصول العقيدة والشريعة، وبذل الجهد في معالجة القضايا المصيرية الكبرى للأمة. وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد من اعتبار درجة المعروف ودرجة المنكر، حتى لايُفسد الإنسان بدل أن يصلح، وحتى لاينفّر بدل أن يبشر، ولذلك اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه: (إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لايفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعًا أو يتركوهما جميعًا لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر بل ينظر، فإن كان المعروف أكثر، أُمر به، وإن استلزم ماهو دونه من المنكر ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نُهي عنه، وإن استلزم ماهو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزِم للمنكر الزائد عليه، أمرًا بمنكر وسعيًا في معصية الله ورسوله) (20) إن هذا النص تطبيق رائع لفقه مراتب الأعمال وتقديم الراجح منها، وقد صاغ الأصوليون ذلك في قواعد تشريعية هادية مثل: دفع أشد المفسدتين بأخفهما. والإتيان بأعظم المصلحتين وتفويت أدناهما، وتقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة، وعدم ترك المصلحة الغالبة خشية المفسدة النادرة..

ولايستقيم عمل دعوي إلا بفقه هذه الأصول والقواعد والالتزام بها، فعسى أن يوفق أبناء الصحوة الإسلامية وشبابها إلى ذلك، والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

(1) البخاري ـ كتاب العلم ـ باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ومسلم ـ كتاب الزكاة ـ باب النهي عن المسألة.

(2) البخاري ـ كتاب العلم ـ باب فضل من علم وعلم، ومسلم ـ كتاب الفضائل ـ باب بيان مثل مابعث النبي -صلى الله عليه وسلم- من الهدى والعلم.

(3) ابن ماجه في سننه ـ في المقدمة ـ باب من بلغ علمًا، وأحمد في المسند. وورد بروايات عدة متقاربة عن زيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهما، انظر الألباني ـ صحيح الجامع الصغير (1/225) .

(4) البخاري ـ كتاب الوضوء ـ باب وضع الماء عند الخلاء، وهو في مسند أحمد باللفظ نفسه. وروي في االصحيحين وفي السنن بألفاظ مختلفة، انظر: فتح الباري (1/204، 205) .

(5) مجموع الفتاوى (4/93، 94) .

(6) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، انظر صحيح الجامع الصغير للألباني (2/417) .

(7) شرح النووي على مسلم (2/9) .

(8) البخاري ـ كتاب الأدب ـ باب عقوق الوالدين من الكبائر، وأخرجه أيضا مسلم وأحمد والترمذي.

(9) البخاري ـ كتاب الأدب ـ باب قتل الولد خشية أن يأكل معه.

(10) المسودة في أصول الفقه (ص: 65) ، وانظر باب الحكم الشرعي في كتب أصول الفقه.

(11) الموافقات (3/321) و (3/336) .

(12) نفسه (3/331) .

(13) نفسه (3/326)

(14) نفسه (3/206)

(15) اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 28) .

(16) مدارج السالكين (1/221) .

(17) البخاري ـ كتاب الجهاد ـ باب فضل الخدمة في الغزو ومسلم ـ كتاب الصيام ـ باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية، والنسائي ـ كتاب الصيام فضل الإفطار في الصيام، واللفظ هنا لمسلم، الرّكاب: الرواحل وهي الإبل التي يسار عليها (البيان) .

(18) أخرجه أحمد والبزار وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد. كذا في الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني (19/219) .

(19) تلبيس إبليس (ص 141)

(20) الحسبة (ص 38 ـ 39)

• لكلام ابن كثير تتمة، معرفتها مهمة، وهي قوله: (لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به فيكون أفضل من هذه الحيثية.

كاتب المقال: د. سعد الدين العثماني

ضوابط المصلحة الدعوية (1)

شاع استخدام مصطلح"المصلحة الدعوية"في كثير من الأوساط الدعوية كدليل احتجاج وتأصيل , واستخدم أيضًا كدليل إدانة ضدها من بعض التيارات المضادة للصحوة كاتهام بتسييس الدين وأدلجته . ونظرًا لأهمية هذا الموضوع والحاجة لإزالة اللبس والخلط حول هذا المفهوم ومستلزماته الشرعية ؛ أحببت أن أسلط الضوء على بعض تلك المسائل الأصولية وأجلي الموقف حول صحة الإستدلال بها في قضايا الدعوة والإصلاح .

فالمصلحة عند الأصوليين لها تعريفات مختلفة اللفظ متقاربة المعنى والمدلول ، فقد قال الإمام الغزالي رحمه الله في تعريفها: » هي جلب المنفعة ودفع المضرة « ( 1 ) ، وقال الإمام الفتوحي رحمه الله هي: » إثبات العلة بالمناسبة « ( 2) أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقد قال في بيانها: » هو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة « ( 3 )

فالمصلحة الشرعية هي ما تضمنته أحكام الشريعة من جلب للمنافع ودفع للمضار في العاجل والآجل ، وهذا النوع من المصالح قد جاء النص مقررًا لها بعينها أو نوعها ؛ كالأمر بجميع أنواع المعروف والنهي عن جميع أنواع المنكر وككتابة القرآن الكريم صيانة له من الضياع وكتعليم القراءة والكتابة وغيرها مما تضمنته النصوص الشرعية من مصالح ومنافع ، فالمصلحة هنا أصل ثابت ودليل قائم تبنى عليه الأحكام ، وذلك لاعتبار النص لها وشهوده عليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت