والسبب في فشل الحوار بين الأديان لا يرجع إلى المسلمين، فالإسلام هيأ أتباعه مبدئيًا للمشاركة في الحوار، وقد دعا إليها القرآن منذ 1400 عام عندما قال تعالى:"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله وألا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون"، فهذا هو أساس الحوار من جانبنا كمسلمين، وما يترتب على ذلك أن الإسلام يتيح حرية الاعتقاد بألا يجبر أحدًا أن يعتنقه بقوة السلاح، كما يدعو إلى مسالمة جميع من يختلف معنا في العقيدة، وأن نودهم ونبرهم ونحسن إليهم إلا إذا قاتلونا في الدين وأخرجونا من ديارنا أو ساعدوا عدوا علينا، ففي هذه الحالة لا بد من المعاملة بالمثل.
ويضيف د. المطعني أن الإسلام جوز كل ألوان التعامل مع الآخر مثل حله لطعام أهل الكتاب والمصاهرة منهم، ولا يطلب من الإسلام أكثر من ذلك، ومهما عقدوا من لقاءات أو ندوات وطرحوا من أفكار من خلال الحوار أو المواجهة فليس عندنا كمسلمين أكثر من هذا، وعليهم أن يعاملونا بالمثل، فيعترفوا بديننا وبرسولنا وبقرآننا كما نعترف نحن بهم، أما وهم يرفضون كل هذا فلا أمل من الحوار معهم لأنهم يريدون التحاور في أسس الإسلام والتفاوض عليها بدافع عزلنا عن الإسلام، والإسلام فوق هذه التوهمات.
محقق ومتهم
ويقول الأستاذ الدكتور محمد يحيى أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة والكاتب الإسلامي المعروف باهتمامه بشأن الحوار مع الآخر: ما يحدث الآن ليس إلا جلسات تعقد بين أشخاص يفترض أنهم يمثلون الأديان - إما الكنيسة وإما الإسلام- ونحن معنيون بمن يقومون بمواجهة الآخر أو التحاور معه، حيث نؤكد أن هؤلاء الأشخاص في الغالب الأعم أشخاص معينون من جهات رسمية، وليست لديهم الحماسة الكافية في الحوار أو النقاش أو مواجهة الآخر، وهذا يحدث مع إمكانية وجود أشخاص من الكنيسة مثلا، لكنهم لا يتمتعون بالاستقلالية التامة عن أية جهات رسمية، وإنما يمثلون مراكز أنشئت في الغرب لهذا الغرض تتمتع بكثير من الخبرة والكفاءة.
ويضيف د. يحيى أن الواقع يؤكد أن تجارب المواجهة مع الآخر والحوار معه تجربة مليئة بالسلبيات ؛ لأنها على سبيل المثال سعت من جانب ممثلي الإسلام إلى الاعتراف بالكنيسة الغربية دون أن يكون هناك اعتراف منها بالإسلام، كما أنها تحولت إلى جلسات توجيه اتهامات إلى الإسلام ودفاع من ممثليه، وأصبحنا أمام جلسة تحقيق ومتهم وتهم!!
والأخطر في الأمر أن المتهم"وهو الإسلام"يتم الدفاع عنه بنوع من الاعتذار ووعد بالإصلاح في المستقبل، وهذا طبعًا ليس حوارًا وليست مواجهة.
الحوار مع النفس أولًا
الدكتورة نادية مصطفى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة ورئيس مركز الحضارة للدراسات السياسية تنظر للقضية بشكل علمي ، وتقول: في موضوع مواجهة الآخر أو حتى التحاور معه، لا ينبغي التركيز على الأدوات والقنوات والوسائل المطلوب التحاور بها مع الآخر فقط، ولكن على مضمون الخطاب الذي يجب أن تحمله وضوابط الإعداد لهذا الخطاب، وهذا الأخير محكوم بدوره بأزمتنا الفكرية والسياسية والاقتصادية.
وتضيف: إن تداعيات أحداث سبتمبر 2001 بالنسبة لوضع الإسلام والمسلمين تعلن عن تدشين الهيمنة الحضارية علينا والإقصاء الحضاري لنا، وهنا يجب علينا:
1.أن نواجه هذه المرحلة باستراتيجية جديدة لا تقوم فقط على الدفاع عن الإسلام والمسلمين والاعتذار عنه كما حدث في المبادرات والحوارات السابقة مع الغرب، ولكن بالانتقال إلى الهجوم وعدم التعامل كمتهمين، ويتطلب هذا أن يتضمن خطابنا المطالبة بإثبات الفاعل في أحداث 11 سبتمبر وتوجيه الاتهام إلى بدائل أخرى -غير تنظيم القاعدة- مثل اليمين الغربي أو الموساد، وبتعبير آخر يجب ألا نسلك طريقًا حددته الولايات المتحدة للمتهم وللفاعل والتي يحصد المسلمون ثمارها الآن.
2.ثانيا أن ندفع عن أنفسنا كعرب ومسلمين تهمة أننا لا نقبل الآخر، لأن الصراع ليس مع الذات فقط لنقبل الآخر - داخليًا وخارجيًا - ولكن الصراع في مواجهة الآخر ليكف عن رفضنا من ناحية، ولنعرف ما هي حدود وضوابط قبول الآخر أو رفضه.
أمر آخر في غاية الأهمية، وهو تحديد مفهوم الإرهاب والجهاد الإسلامي وبيان ضوابطه للحيلولة دون تحوله إلى إرهاب بالمعنى الشائع، وبيان متى يكون استخدام القوة جهادًا ومتى يكون عنفًا.
وتقول د. نادية: إن الوجه الآخر للعملة هو أن نتجه نحو الذات، فنحن لسنا مطالبين بالهجوم على النظام الدولي فقط لإفرازه الإرهاب، ولكن على النظم الداخلية التي أفرزت أيضًا الإرهاب، إن صح التعبير، ويجب أن نتفهم مسؤولية التغيير في سياساتنا ومجتمعاتنا التي انقطعت تدريجيًا عن المرجعية الإسلامية، بحيث إذا ظهر من يريد العودة لهذه المرجعية والاجتهاد انطلاقًا منها حول المجتمع والسياسة، أو من يرفض المظاهر السلبية لتأثير القيم والسلوكيات الغريبة على مجتمعاتنا لا يصبح بين عشية وضحاها متطرفًا، أو يتحول في نظر المجتمع إلى إرهابي.
كما يجب - كما تقول الدكتورة نادية- التمييز بين مشروعية الشعور بالذات والخصوصية وبين مشروعية رفض الآخر، وليس لأنه (آخر) ولكن لأنه يريد استيعابي وإقصاء خصوصيتي.
رؤية مستقبلية للدعوة النسائية