فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 1681

بنسج المناسبات والاعتبارات البلاغية من لُحمة محكمة في نظم الكلام ، وسدًى متين من فصاحة الكلمات .

ومعظم أغراضها ينقسم إلى قسمين: قسم يُثبت سموَّ هذا الدين على ما سبقه وعلو هديه وأصولَ تطهيره النفوسَ ، وقسمٌ يبين شرائع هذا الدِّين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم . وكان أسلوبها أحسنَ ما يأتي عليه أسلوب جامع لمحاسن الأساليب الخطابية ، وأساليب الكتب التشريعية ، وأساليب التذكير والموعظة ، يتجدد بمثله نشاط السامعين بتفنن الأفانين ، ويحضر لنا من أغراضها أنها ابتدئت بالرمز إلى تحدي العرب المعاندين تحديًا إجماليًا بحروف التهجي المفتتح بها رمزًا يقتضي استشرافهم لما يرد بعده وانتظارَهم لبيان مقصده ، فأعقب بالتنويه بشأن القرآن فتحوَّل الرمز إيماء إلى بعض المقصود من ذلك الرمز له أشد وقع على نفوسهم فتبقى في انتظار ما يتعقبه من صريح التعجيز الذي سيأتي بعد قوله: ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله (( البقرة: 23 ) . فعدل بهم إلى ذات جهة التنويه بفائق صدق هذا الكتاب وهديه ، وتخلص إلى تصنيف الناس تجاه تلقيهم هذا الكتاب وانتفاعهم بهديه أصنافًا أربعة ( وكانوا قبل الهجرة صنفين ) بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك التلقي . وإذ قد كان أخص الأصناف انتفاعًا بهديه هم المؤمنين بالغيب المقيمين الصلاة يعني المسلمين ابتدىء بذكرهم ، ولما كان أشد الأصناف عنادًا وحقدًا صِنْفَا المشركين الصُّرَحاء والمنافقين لُف الفريقان لفًا واحدًا فقورعوا بالحجج الدامغة والبراهين الساطعة ، ثم خص بالإطناب صنف أهل النفاق تشويهًا لنفاقهم وإعلانًا لدخائلهم ورد مطاعنهم ، ثم كان خاتمة ما قرعت به أنوفهم صريح التحدي الذي رمز إليه بَدءًا تحديًا يُلجئهم إلى الاستكانة ويخرس ألسنتهم عن التطاول والإبانة ، ويلقي في قرارات أنفسهم مذلة الهزيمة وصدقَ الرسول الذي تحداهم ، فكان ذلك من رد العَجُز على الصدر فاتسع المجال لدعوة المنصفين إلى عبادة الرب الحق الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض ، وأنعم عليهم بما في الأرض جميعًا . وتخلص إلى صفة بدء خلق الإنسان فإن في ذلك تذكيرًا لهم بالخلق الأول قبل أن توجد أصنامهم التي يزعمونها من صالحي قوم نوح ومن بعدهم ، ومنة على النوع بتفضيل أصلهم على مخلوقات هذا العالم ، وبمزيته بِعِلم ما لم يعلمه أهل الملأ الأعلى وكيف نشأت عداوة الشيطان له ولنسله ، لتهيئة نفوس السامعين لاتهام شهواتها ولمحاسبتها على دعواتها . فهذه المنة التي شملت كل الأصناف الأربعة المتقدم ذكرها كانت مناسبة للتخلص إلى منة عظمى تخص الفريق الرابع وهم أهل الكتاب الذين هم أشدُّ الناس مقاومة لهدي القرآن ، وأنفذُ الفِرق قولًا في عامة العرب لأن أهل الكتاب يومئذٍ هم أهل العلم ومظنة اقتداء العامة لهم من قوله: ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي (( البقرة: 40 ) الآيات فأطنب في تذكيرهم بنعم الله وأيامه لهم ، ووصْففِ ما لاقَوْا به نعمه الجمة من الانحراف عن الصراط السوي انحرافًا بلغ بهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت