وبعد ففى هذين النقلين عن صاحب تفسير التحرير والتنوير عن الشيخ المحقق ابن الجزرى ما يوضح بجلاء أن القراءات منها ما يكون له تأثير على التفسير , ومنها ما يتعلق باللفظ فقط وهيئة أدائه وهو لا يؤثر على التفسير , وبحثنا الذى نحن بصدده يتعلق بالقسم الأول .
فإذا ما تجاوزنا الخلاف - في التفسير أو في الأحكام - بين المفسرين بسبب القراءات , أو بسبب اختلاف الاعتبارات حول القراءات , إذا ما تجاوزنا ذلك , وجئنا إلى اختلافهم - أى المفسرين - واختلاف النحاة معهم في الأوجه النحوية في هذه القراءات , فإننا نجد هذه الآراء النحوية في قراءات القرآن الكريم , لا تقل كثرة عن الآراء التفسيرية , بل قد تتجاوزها بكثير داخل القراءة الواحدة , فما بالك حين تتعدد هذه القراءات , فإن الآراء النحوية تتعدد بتعددها , بل تتعدد داخل كل قراءة بعينها.
وليس من غرضى في هذا البحث مناقشة الأوجه الإعرابية المتعددة داخل القراءة الواحدة ,لأن ذلك مقبول , حيث إن تعدد الأوجه من طبيعة الإعراب , والاختلاف في ذلك هو من قبيل احتمال اللفظ أو التركيب لهذه الأوجه جميعها.
وإنما غرضى هنا أن أناقش بعض النحاة ومن تبعهم من المفسرين في رد بعض القراءات الثابتة , بحجة أنها تخالف قواعد نحوية , و سيأتى ذلك إنشاء الله في المبحث الثالث.
الاختلاف في القراءات الثابتة
ليس اختلاف تضاد بل هو اختلاف تلازم
الاختلاف ينقسم إلى قسمين:-
أحدهما: اختلاف تضاد وتناقض , وهو المعارضة من كل وجه بحيث لا يمكن الالتقاء مطلقًا .
وقد جاء تعريفه في الإتقان بأنه ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى خلاف الآخر [1] .
ومثل هذا النوع لا وجود له في القرآن الكريم مطلقًا , لا في القراءات و لا في غيرها , إلا ما كان من الناسخ والمنسوخ والقارئ بصير بأن مثل هذا لا يسمى اختلافا أصلا بعد رفع السابق من الحكمين و إحلال اللاحق محله.
(1) الاتقان2/38