وقد أجاب هؤلاء عن الألف اللازمة في قوله"تنسى"مع تقدم"لا"الناهية عليها - أى الكلمة - ومن شأنها جزم المضارع بعدها ، أجابوا عن ذلك بأن الألف هنا للإشباع [1] ، كما في قوله تعالى: (( لا تخاف دركًا ولا تخشى ) ) [2] ، وقد لحظنا أن هذا الخلاف كائن مع كون القراءة واحدة.
وأما السبب الثالث: وهو اختلاف اللغويين في معنى الكلمة ، فمثاله ، اختلافهم حول معنى لفظ"مخلدون"من قوله تعالى: (( يطوف عليهم ولدان مخلدون ) ) [3]
فقيل: معناه لا يهرمون أبدًا ، ولا يتغيرون فهم في سن واحد ، وشكلهم شكل الولدان دائمًا ، والعرب تقول لمن كبر ولم يشب: إنه لمخلد. وقيل معناه مقرطون من قولهم: خلد جاريته إذا حلااها بالخلدة وهى القرطة.
وقيل: مخلدون منعمون ومنه قول امرئ القيس:
وهل ينعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال
وقيل: مخلدون أى مستورون بالحلية. ومنه قول الشاعر:
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أقاوز الكثبان [4]
وقيل غير ذلك. وهذه الأقوال كلها تدور على معانى لفظ مخلدون في اللغة ، وهى كما نعلم ثرية جدًا بألفاظها ، غنية بمعانيها وأسرارها ، ومن ثم كان شرطًا رئيسًا فيمن يتصدى لتفسير كتاب الله أن يكون على معرفة واسعة بلغة العرب شعرًا ونثرًا ، ولذلك قال مالك - رحمه الله - لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالًا.
وأما السبب الرابع:
وهو اشترك اللفظ بين معنيين فأكثر ؛ فمثاله: اختلافهم حول لفظ الصريم في قوله تعالى: (( فأصبحت كالصريم ) ) [5] ، فهو مشترك لفظى بين سواد الليل وبياض النهار .
(1) أنظر: الدر المصون - 6/510.
(2) سورة طه: 77.
(3) سورة الواقعة: 17.
(4) أنظر: فتح القدير - 5/186 ، والكثبان جمع كثبة وهى: كل مجتمع من طعام أو غيره بعد أن يكون قليلًا.
(5) سورة القلم: 20.